الثلاثاء، 14 أبريل 2009

حدث واحد وروايتين مختلفتين ..عريب الرنتاوي

قدم حزب الله على لسان أمينه العام السيد حسن نصر الله، رواية تلتقي وتفترق عن الرواية المصرية لما بات يعرف الآن بقضية "خلية حزب الله في مصر"، نقطة الالتقاء الوحيدة بين الروايتين، تتمثل في إقرارهما بوجود خلية للحزب ناشطة على الأراضي المصرية، أما نقاط الافتراق فعديدة وتبدأ من أهداف الخلية ومهماتها وصلاحياتها مرورا بحجمها ونطاق عملها وانتهاءً بمرجعياتها اللبنانية والإقليمية.

حزب الله حصر نشاط الخلية بالعمل على مساعدة الفلسطينيين في قطاع غزة، حماس والجهاد كما يفترض المراقب، في الحصول على السلاح والذخائر والدعم اللوجستي بأشكاله المختلفة (التهريب)، وهو نفى بشدة أن تفويض الخلية يشتمل على ضرب أي هدف على الأرض المصرية، أو أن في نية الحزب المساس بأمن مصر القومي، أو أن يكون معنيا بنشر التشيّع في صفوف المصريين، وهي جميعها أهداف حوّلتها النيابة العامة المصرية إلى لائحة اتهام، وتناولها سياسيون مصريون بالنقد والتنديد، وعرضتها الصحافة بتوسع غير مسبوق، فيما ما يشبه الحملة على الحزب وإيران.

من يعرف حزب الله من جهة، ومن يتابع وجهة سير الدبلوماسية المصرية وأولوياتها وأجندتها في هذه المرحلة من جهة ثانية، لا يخالجه شك أبدا في أن الحقيقة تقع في منزلة وسط بين الروايتين، فحزب الله لم يكن يوما بهذه "الطهرانية" أو بهذا الزهد عن "التدخل في الشؤون الداخلية لبعض الدول العربية والإسلامية"، وهو - حزب الله - وغيره من الأحزاب الإيديولوجية من إسلامية ويسارية وقومية، ينتمون لمدرسة طالما سخرت من هذا الشعار، وطالما نظرت لتقديم العون والإسناد "للأشقاء في الدول الشقيقة" بوصفه واجبا ملزما ومسألة تبعث على الفخر والاعتزاز، مع أننا في حالة الحزب ومصر، نعتقد أن "الشقيق الفلسطيني" هو المستهدف بدعم حزب الله، وليس الشقيق المصري، ونكاد نصدق رواية حزب الله التي تكاد تحصر أنشطة الخلية المذكورة بغزة تحديدا.

في المقابل، تبدو الرواية المصرية مثقلة بالهاجس الإيراني، وموظفة بالكامل لـ"إعادة الاعتبار" لإيران كمهدد رئيس للأمن القومي العربي، وهي رواية مبثوثة في خطاب الاعتدال العربي بمجمله على أية حال، ومن مقتضياتها "تحويل الحبة إلى قبة" طالما أن الهدف هو عزل إيران ومحاصرة دورها الإقليمي الصاعد، وربما قطع الطريق على المقاربة الأمريكية الجديدة حيالها، والتي تثير مخاوف دول عربية "مسكونة بهواجس دور إقليمي"، لا هي استطاعت أن تحافظ عليه وتعظّمه، ولا هي قادرة على منع الآخرين من ملء فراغه.

كل ما يمكن أن يقال عن حزب الله (واستتباعا حماس ومختلف فصائل المقاومة) في باب "تهريب السلاح وتخزينه وتصنيعه"، يمكن أن يؤخذ على محمل الجد والتصديق، إذ لولا هذا "التهريب"، لما كانت ثورة ولما كانت مقاومة أبدا، يصح ذلك على تجربة الحركة الوطنية الفلسطينية المعاصرة منذ أواسط ستينييات القرن الفائت، كما يصح على تجربة المقاومة اللبنانية، قبل 1982 وبعدها، والقوى الفلسطينية واللبنانية، من حماس إلى حزب الله، وقبلهما فتح والشعبية والديمقراطية والحركة الوطنية اللبنانية، لطالما نظرت إلى هذه الاتهامات بوصفها أوسمة شرف تعلق على صدرها، لا بوصفها جنحا وجنايات أو مسا بأمن دول أخرى أو تدخلا في شؤونها الداخلية، وهذه "المهمة" هي الثابت فيما علاقات هذه القوى بالأنظمة العربية على اختلافها، وما عداها، فمتغير يخضع للصعود والهبوط وفقا لحسابات اللحظة وتطوراتها.
أما أن يقال، بأن حزب الله ترك وظائفه في لبنان، ليتفرغ لنشر التشيع في مصر، أو استهداف الأمن المصري، فهذا ما يصعب تصديقه، حتى في ذروة الخلاف بين الجانبين، والأمر ذاته ينطبق (وربما بدرجة أكثر) على حركة حماس وعلاقاتها مع دول الطوق، وتحديدا مع مصر والأردن.

وبعيدا عن صدقية الروايتين وجديتهما، فإن الأهم من هذا وذاك، هو ذاك التزامن بين الكشف عن "خلية حزب الله" في مصر، والغارة الإسرائيلية على السودان، إذ في الحالتين، كان الهدف "تهريب" السلاح إلى قطاع غزة، وفي الحالتين كانت إيران هي مصدر القرار والسلاح، وفي الحالتين كانت لحماس وحزب الله (والحوثيين أحيانا) فضلا عن السودان، أصابع في هذه العملية، ولا ندري حقيقة إن كنّا أمام "صدفة خير من ألف ميعاد"، أم أننا أما واحدة من "مزايا التنسيق الأمني"، أم هو "الالتقاء الموضوعي" في المصالح، يقتضي وضع إيران في صدارة الاستهدافات، لا بوصفها قوة نووية محتملة وخطرة، بل وقوة مهيمنة بلغ نفوذها ضفاف البحر الأحمر بخليجيه وشواطئ القارة السوداء وموانئها وأدغالها وصحاريها المترامية على حد سواء؟!.

أكثر من 11 ألف أسير في سجون الاحتلال بينهم 400 طفل و68 أسيرة (تقرير)

أعلنت وزارة الأسرى والمحررين في الحكومة الفلسطينية في غزة عن وجود 11 ألف فلسطيني معتقل في سجون الاحتلال “الإسرائيلي” بينهم 400 طفل و68 أسيرة و43 نائباً غالبيتهم من حركة “حماس”.

وقالت الوزارة في تقرير إحصائي، أمس، إن ما يقارب من 800 ألف فلسطيني تعرضوا للاعتقال منذ عام ،1967 أي أن ما نسبته 25% من الفلسطينيين فيما بلغ عدد من تعرضوا للاعتقال منذ انتفاضة الأقصى نهاية عام ،2000 أكثر من 68 ألف فلسطيني.

وذكر التقرير، الذي صدر بمناسبة يوم الأسير الفلسطيني الذي يصادف في 17 ابريل/ نيسان الحالي، أن ما يزيد على 1500 فلسطيني بينهم نساء وأطفال ونواب وقادة تعرضوا للاعتقال منذ بداية العام الحالي في الضفة الغربية وقطاع غزة، بالإضافة الى مئات الفلسطينيين الذين يتم اعتقالهم في الأراضي المحتلة بحجة أنهم لا يملكون تصاريح العمل.

وأشار الى أن من بين المعتقلين، 1000 أسير من قطاع غزة، و470 من القدس وال ،48 و47 أسيراً عربياً من جنسيات مختلفة، بينهم أسير سعودي وآخر تركي تم اعتقاله مؤخراً بالقرب من الحدود المصرية و9400 آخرين من الضفة الغربية.

وبحسب التقرير فإن هناك أكثر من 750 أسيراً يقضون أحكام بالسجن المؤبد لمرة أو لمرات عدة، أعلاهم الأسير عبدالله البرغوثي الذي حكم عليه بالمؤبد 67 مرة، ومن بينهم 620 معتقلاً إدارياً من دون محاكمة، و4800 أسير موقوف و5500 أسير محكوم.

وذكر التقرير أن 1600 أسير يعانون أمراضاً مختلفة ويتعرضون للإهمال الطبي، مبيناً أن 550 منهم بحاجة الى عمليات جراحية عاجلة، و170 أسيراً يعانون أمراضاً خطرة جداً كالسرطان والكلى والقلب والشرايين و17 أسيراً يستخدمون الكرسي المتحرك والعكازة في حركتهم وتنقلهم. وأشار الى أن 196 أسيراً “استشهدوا” في سجون الاحتلال منذ عام 1967.

تجليات العبث الإسرائيلي في ديارنا .....فهمي هويدي

لسنا بحاجة إلى سيناريو «المؤامرة» لكي نتتبع تجليات الاختراق والعبث الإسرائيليين في دول المنطقة. فالوثيقة التي تسربت حول الشهادة المثيرة التي أدلى بها المسئول الأمني الأول في الدولة العبرية تسلط أضواء كافية على تدابيرهم ومخططاتهم، تغنينا عن الاجتهاد والتخمين في الموضوع.

(١)

أول الكلام كان عن حظوظ مصر من تلك التدابير، وهو ما عرضته في الأسبوع الماضي بما تضمنه من معلومات خطيرة وإشارات صادمة ومحيرة. ولأن الحديث كان عن استراتيجية الدولة العبرية في المنطقة، فقد تبقى منه جزء ثان عن بقية الدول التي تناولتها محاضرة آفي ديختر رئيس «الشاباك» السابق «جهاز أمن الدولة الإسرائيلية» الذي صار وزيراً للأمن الداخلي في حكومة إيهود أولمرت. وهو في منصبه الأخير أدلى بشهادته أمام الدارسين في معهد أبحاث الأمن القومي الإسرائيلي. كنت قد وعدت بعرض ذلك الجزء الثاني الذي يخص الدول الأخرى هذا الأسبوع، وهذه خلاصة لكلامه، حيث اضطررت لاختصار بعض المعلومات التفصيلية، لاعتبارات تتعلق بالحيز لا أكثر.

- فيما يخص الساحة الفلسطينية قال ديختر إن "إسرائيل" استخدمت فيها كل الخيارات. فخيار القوة مشهور ومعلوم للكافة. أما الخيار الثاني الذي لجأت إليه فيتمثل في السعي المستمر لتعميق الصراع بين الفصائل الفلسطينية وبين السلطة التي أفرزتها اتفاقية أوسلو 1993. وذكر في هذا الصدد أنه حين كان رئيساً للشاباك، شارك في إعداد الحملات والملاحقات ضد ما أسماه «المنظمات الإرهابية»، التي قامت بها الأجهزة الأمنية الفلسطينية، خاصة جهاز الأمن الوقائي. وقال صراحة إنه في تلك المهمة وجد تعاوناً على أوسع نطاق من محمد دحلان مسئول الأمن في غزة، وجبريل الرجوب الذي كان مسئولاً عن الأمن في الضفة!!. وحسبما ذكر فإن تلك الحملات أدت إلى إفشال مئات العمليات «التخريبية». كما أدت إلى اعتقال العشرات من قيادات وكوادر تلك المنظمات، وأسهمت في وصول اليد الإسرائيلية إلى قيادات مهمة مثل المهندس يحيى عياش والدكتور عبدالعزيز الرنتيسي والشيخ أحمد ياسين وأبوشنب وأبوعلي مصطفى وغيرهم.
تباهى ديختر بأن الصراع الذي دارت رحاه بين حركتي حماس وفتح كان نتاج سياسة إسرائيلية محكمة. وقال إن ثمة عوامل ساعدت على إنجاح ذلك المخطط، منها مثلاً إدراك الجهات المعنية في "إسرائيل" لعمق العداء لحركتي حماس والجهاد، بين قادة المؤسسة الأمنية الفلسطينية (ذكر محمد دحلان وتوفيق الطيراوي مسئول المخابرات) ومعهما بعض قيادات السلطة وفتح. وهو العداء الذي ظهر جلياً بعد رحيل أبوعمار. من تلك العوامل أيضاً شعور قادة الأجهزة الأمنية بأن تنامي حركة حماس يشكل تهديداً وجودياً لهم، واقتناعهم بضرورة حسم هذه المسألة خصوصاً بعدما تولي أبو مازن رئاسة السلطة.. وأضاف في هذا الصدد أن تيار الحسم الذي يستهدف قمع حركة حماس وإقصاءها لقي تأييداً مالياً وسياسياً ومعلوماتياً ليس من "إسرائيل" وحدها، وإنما أيضاً من الولايات المتحدة والرباعية الدولية. وخلص الرجل إلى أن استمرار الصراع في الساحة الفلسطينية يحقق مصلحة إسرائيلية من الدرجة الأولى، وأن القضاء على حماس والجهاد يظل هدفاً استراتيجياً ينبغي ألا تتوقف مساعي تحقيقه بكل السبل.

(2)

- في شهادته اعتبر ديختر أن لبنان «أكثر بيئة إقليمية تفرض التحدي الاستراتيجي على إسرائيل». وقال إن خيار القوة استخدمته "إسرائيل" مع حزب الله في عام 2006، وعدم نجاحها في تلك الجولة لا يعنى استبعاد ذلك الخيار، الذي سيظل قائماً والاستعداد له مستمر بوتيرة عالية. في الوقت ذاته فإن "إسرائيل" لم تتوقف عن السعي لإحداث الاضطراب وتعميق الشقاق في الساحة اللبنانية. وقد حققت في ذلك نجاحات عدة، منها مثلاً أنها استطاعت خلق بيئة معادية للمنظمات الفلسطينية «توجت» باندلاع الحرب الأهلية عام 1975. في هذا الصدد أشار إلى التنسيق الذي قام بين "إسرائيل" وبين بعض القوى اللبنانية في تلك الحرب. حيث زودت "إسرائيل" تلك القوى بالسلاح والأموال، بموافقة رئيس الوزراء آنذاك إسحاق رابين ووزير الدفاع شمعون بيريز.
ومن هذه النقطة استطرد قائلاً إن المجهودات الإسرائيلية الاستخباراتية داخل لبنان والسياسية في المحافل الدولية. هي التي أجبرت السوريين على الانسحاب من لبنان.
الدور الإسرائيلي في إيجاد بيئة معادية للمنظمات الفلسطينية في السبعينيات تكرر مع حزب الله، الذي بذلت الأجهزة الإسرائيلية جهداً خاصاً لتشويه صورته وحصاره ومحاولة استنزافه وتمزيق قوته.. وهي في ذلك تخوض حرباً سرية لم تتوقف ضد الحزب بالتعاون مع الولايات المتحدة الأمريكية. حيث تقوم بحشد المنظمات وإقامة المعسكرات للفرق التي تلتقي مع البلدين حول هدف التخلص من «خطره». وتحدث في هذا السياق عن معسكرين لم يفصح عنهما تتطلع "إسرائيل" إلى مساندتهما وتعظيم قوتهما في لبنان، لكسب المواجهة الحاسمة ضد حزب الله.
بالتوازي مع ذلك ـ أضاف صاحبنا ـ إن "إسرائيل" تجرب مع الولايات المتحدة محاولة اختراق الساحة اللبنانية وزرع الاختلالات فيها، لتعميق النزاعات السياسية والمذهبية والطائفية، وقطع الطريق أمام تحقيق التوافق بين القوى السياسية، ومن ثم استمرار إذكاء العداء لحزب الله ولسوريا وإيران.
أما سوريا فمن رأيه أنها غير جادة في التوصل إلى سلام مع "إسرائيل"، وأن أولمرت اعتبر أن التفاوض معها يخدم خيارات إسرائيلية في التعامل مع كل من إيران وحزب الله، وهو ما لم يؤيده ديختر ـ الذي ذكر أن خيار استخدام القوة ضد سوريا يؤيده قطاع عريض من القيادتين السياسية والعسكرية.
إلى جانب ذلك اعتبر أن ثمة خيارات ثلاثة متاحة في الوقت الراهن للضغط على سوريا، أولها استراتيجية «شد الأطراف» التي كانت مطبقة منذ الخمسينيات، وبمقتضاها لعبت تركيا دوراً مهما في الضغط على سوريا، ولكن بعد التحسن الذي طرأ على علاقات أنقرة ودمشق خلال السنوات الأخيرة، فمن الممكن أن يقوم الأكراد بهذا الدور. وهو ما سعت إليه "إسرائيل" خلال السنوات الخمس الأخيرة، حين بذلت جهوداً حثيثة لتشجيع الأكراد على إقامة كيان خاص بهم في شمال العراق، أصبح الآن دولة من الناحية العملية، معتبرة أن الدور الكردي في الضغط على سوريا يمكن أن يعوض الدور التركي.
الخيار الثاني يتمثل في استخدام الساحة اللبنانية للضغط على سوريا، وحسب كلام ديختر فإن ل"إسرائيل" أصدقاء في لبنان على استعداد للقيام بهذا الدور، لكنهم لا يريدون الكشف عن العلاقات التي تربطهم بتل أبيب، التي تحرص على استثمار موقف أولئك الأصدقاء بالتعاون مع الولايات المتحدة.
الخيار الثالث يكمن في التعامل مع المعارضة السورية، وتكرار تجربة "إسرائيل" مع المعارضة العراقية، حين ساندتهم سياسيا ووفرت لهم الدعم المالي الأمريكي كما دربتهم عسكريا، وهو نفس الأسلوب الذي اتبع مع بعض القوى المعارضة في السودان ولبنان.
في ختام هذه النقطة قال ديختر إن «شد أطراف» الساحة السورية أمر ميسور، وإن هناك منافذ عدة تحقق ذلك الغرض، عبر الأردن ولبنان وكردستان العراق.

(٣)

- المعادلة الحاكمة لموقف "إسرائيل" الاستراتيجي من العراق تنطلق من الحرص على تقويض مظان القدرات العربية في دولها الرئيسية، من أجل تحقيق المزيد من الأمن القومي الإسرائيلي. هذه كلمات ديختر التي أضاف عليها أن العراق لا ينبغي أن يعود إلى سابق عهده وقوته، بحيث يصبح دولة مواجهة ضد "إسرائيل" وصاحبة دور على الصعيدين العربي والإقليمي، وهم يعولون كثيراً على الأكراد الذين يحتفظون معهم بعلاقات تاريخية وثيقة منذ السبعينيات، ولكنهم لا يريدون الاكتفاء بما يمثلونه من ضمانة لهم في شمال العراق، ولكنهم يتطلعون إلى توفير تلك الضمانة في بغداد ذاتها، حيث تحاول الأجهزة الإسرائيلية نسج علاقات مع بعض النخب السياسية والاقتصادية تستهدف إبقاء العراق خارج دائرة الدول العربية المشتبكة على "إسرائيل"، في هذا الصدد ذكر الرجل أن تحييد العراق عن طريق تكريس أوضاعه الحالية ليس أقل أهمية وحيوية من تكريس وإدامة تحييد مصر.
فيما يخص مراهنتهم على الأكراد، ذكر ديختر أن ثمة التزاماً من القيادة الكردية بإعادة تشغيل خط نقل النفط من كركوك إلى حيفا عبر الأردن، الذي نوقش مع مسئوليه. وإذا ما تراجع الأردن فهناك البديل التركي، أي مد خط كركوك من كردستان إلى تركيا ثم "إسرائيل"، وهذا المشروع تمت دراسته لتوصيل أنابيب المياه والنفط إلى تركيا ومن تركيا إلى "إسرائيل".
- حين تطرق الرجل إلى إيران، فإنه اعتبرها «أكثر الساحات تهديداً لإسرائيل وتصديراً للتحديات». وقال إن الحل الأمثل هو تقويض النظام القائم في طهران واستبداله بنظام علماني يستطيع أن يتفاهم مع الولايات المتحدة و"إسرائيل". لذلك فإنه انحاز إلى فكرة العمل العسكري الذي يستطيع أن يحقق هذا الهدف، وإلى جانب ذلك هناك خياران آخران هما: أولاً الضغط على إيران من خلال الوجود الأمريكي في العراق، ودعم منظمة مجاهدي خلق، واستخدام النفوذ الأمريكي في الخليج، وتطويق إيران من خلال الدول المحيطة بها. أما الخيار الآخر فيتمثل في تفكيك الدولة الإيرانية التي تضم عرباً وأكراداً وبلوشاً وفرساً وأتراكاً.. إلخ وهذه مهام لن تتحقق لها الفاعلية المطلوبة إلا إذا شاركت فيها الولايات المتحدة بشكل جاد.
في رأيه أن لدى "إسرائيل" معلومات تشير إلى أن إيران قد تنتهي من صنع أول رأس نووي في العام الحالي (2009)، كما أنها حصلت من روسيا على منظومة متطورة جدا مضادة للجو، وهى أمور ينبغي ألا تسكت عليها "إسرائيل"، التي ينبغي أن تتحرك لمواجهتها بحزم وسرعة.

(4)

- ختم ديختر محاضرته بحديث عن السودان، كنت قد أشرت إلى بعض جوانبه في مقال سابق، وقد لخص رؤيته في أن السودان ينبغي ألا يصبح قوة مضافة للعالم العربي. ونقل عن بن جوريون وغيره من الآباء المؤسسين للدولة العبرية قولهم إن إضعاف السودان يجب أن يتم من خلال تشتيت جهوده وتبديد طاقاته، وهو الموقف المبدئي الذي دفع تل أبيب إلى تكثيف أنشطتها في الجنوب وفي دارفور وتتطلع إلى إثارة القلاقل في بقية أنحاء السودان، وحسب تعبيره فإن هناك قوى دولية تتزعمها الولايات المتحدة مصرة على التدخل المكثف في السودان، بما يؤدى إلى استقلال الجنوب فيه، وإقليم دارفور على غرار استقلال كوسوفو، وبالتالي يتم تقسيم البلد إلى عدة كيانات مثلما حدث مع يوغوسلافيا التي انقسمت إلى ست دول. وهذا المخطط ماض في طريقه بنجاح، ستكون أولى ثمراته إعلان استقلال الجنوب قبل موعد إجراء الاستفتاء على ذلك في عام 2011.
ثمة أسئلة عديدة تلح على المرء وهو يستعرض هذه المعلومات منها مثلاً: هل هناك أحد في العالم العربي يفكر في هذه الأمور، وهل هناك تشاور من أي نوع بين أركانه حول كيفية التعامل مع العبث الإسرائيلي الذي لا يزال يرى أن "إسرائيل" لن يهدأ لها بال، إلا إذا تم إنهاك وتفكيك العالم العربي وتدمير القوة الإيرانية ـ لست واثقاً من وجود رد إيجابي على هذه التساؤلات، الأمر الذي يدفعني إلى تخفيض سقف التوقعات والاكتفاء بإبلاغ القارئ، لكي يكون على وعي بما يحيط به. والأمر متروك له بعد ذلك، ولله الأمر من قبل ومن بعد.

الخاسر: نظام مصر وليس حزب الله ....د. عبد الستار قاسم

إذا كانت أنظمة عربية تخشى حزب الله، وتشعر بالرعب من ازدياد شعبيته في الوطن العربي، وتهاب قوته في مواجهة إسرائيل، فالحل أمامها لا يتمثل بالحرب على حزب الله، أو دعم إسرائيل في مواجهته، وإنما في منافسته على العمل الدؤوب والتميز الأخلاقي والرقي الإنساني والاستعداد لصد العدوان وتحرير الأرض. مواجهة الذين يحملون لواء العزة والكرامة فاشلة تاريخيا، وتأتي عادة بنتائج عكسية على من يقوم بها، وهكذا سيكون شأن أنظمة العرب التي اختارت هذا الطريق، وصممت على السير فيه.
في تاريخ الشعوب، هناك حالات مدّ وجزر. في حالات المدّ، تكتسب الشعوب قوة أخلاقية صلبة بفعل عوامل متعددة على رأسها تميّز قادتها ورقي أدائهم الإنساني وحصافة آرائهم وإصرارهم على التقدم والبناء. وهي بذلك تتمسك بقيم العمل الجماعي والتعاون المتبادل، وتعزز الثقة المتبادلة بين مختلف الناس والجماعات والمؤسسات، ويصبح الصدق والوفاء والالتزام من شيمها البارزة. هكذا تبدأ الأمة بالصعود في مختلف مجالات الحياة، وتستمر في النهوض على الرغم من الظروف القاسية التي يمكن أن تواجهها، وعلى الرغم من أعداء قد يحيطون بها. هذه مرحلة مدّ لها المستقبل، والماضي يصبح بالنسبة لها عبارة عن ذكريات.
أما في حالات الجزر، فالأمة تغرق بالمفاسد الأخلاقية، ويسود الشك علاقاتها الداخلية، وتصبح السرقة والاختلاس والمحاباة والتمييز بين الناس سمات بارزة في نظامها الخلقي. تتدنى الروح المعنوية للناس، وتصبح الأمة عرضة للغزو والاضطهاد والاستغلال، ويمتهن أغلب الناس النفاق والكذب، ويغلب عليهم الجبن وتعزّ الشجاعة.
الدول العربية جميعها بدون استثناء تعيش حالة الجزر التي تنعكس سلبا على التعليم والصحة والذوق العام والأخلاق، وتجعل من الوطن العربي ساحة للغزاة والناهبين والطامعين. هناك قلة من الأنظمة العربية غير مرتاحة لهذا الوضع، لكنها أعجز من أن تتمرد على ذاتها وتقرر تغيير ما هي فيه، وهناك كثرة مرتاحة لهذا الوضع وتعمل على تكريسه، وهي تزداد تخلفا على تخلف، ومهانة على مهانة، وإذلالا على إذلال. هذه الأنظمة الكثرة عبارة عن ألعوبة بيد إسرائيل وأمريكا، وهي تعمل وسيطا رخيصا لجعل الوطن العربي مسرحا للبغاة، وهذا ما نراه في فتح أبواب الوطن ومخادعه لإسرائيل.
أنظمة العرب وعلى رأسها النظام المصري يعيش في الماضي، وهو التجسيد الحقيقي لمرحلة الهزيمة العربية على مختلف المستويات، أما حزب الله فيتطلع نحو المستقبل بخطى ثابتة على الرغم من كل محاولات ضربه وإنهاكه وإخراجه من معادلة الصراع مع العدو الصهيوني. لقد أثبتت سياسته الداخلية على المستوى اللبناني وسياسته في مواجهة إسرائيل نجاعة ونجاحا، وأثبت الحزب أن منهجه يقوم على أسس علمية دقيقة ومدروسة، وهي أسس لم يعتد عليها العربي. اعتاد العربي على كثرة الكلام والخطابات الرنانة والوعود الكاذبة والهزائم، ويجد الآن ان نمطا جديدا على الساحة العربية يتبلور بقيادة حزب الله، وأن في هذا النمط ما يبعث على الأمل.
الصراع الآن على الساحة العربية بين من يرى مستقبله في الماضي، وبين من يرى مستقبله بالخطى الحثيثة نحو الأيام القادمة. لا يوجد في التاريخ حالة واحدة هزم فيها الماضي المستقبل، ولا تغلب أصحاب الخطى الخلفية على أصحاب الخطى الأمامية. قد يسدد المصرّون على التخلف والهزيمة بعض الضربات القاسية للطرف الآخر، لكنهم في النهاية لا يستطيعون الصمود. واضح أن عددا من الأنظمة العربية تفقد صوابها بسبب صمود المقاومة في جنوب لبنان وغزة، وهي تحاول بكل ما أوتيت من قوة إيقاف عجلة التاريخ. لكن التاريخ لا يتوقف.
الشعوب العربية في أغلبها تتطلع نحو السيد حسن نصر الله وحزب الله كنموذج جديد ناجح، ومن الممكن أن ينجح بالمزيد إذا لقي الدعم، أو على الأقل إذا توقفت المؤامرات العربية ضده. هذه الشعوب لا تهمها فكرة السنة والشيعة، وإنما تهمها فقط كرامتها وعزتها المفقودة على مدى سنوات طويلة، وهي مستعدة لتأييد كل من يواجه الاستعمار بكافة أشكاله والاحتلال بكافة أشكاله حتى لو كان حبشيا لا علاقة له بالعروبة. الشعوب العربية لا تنظر بثقة إلى الأنظمة العربية وإنما بشك واستياء ورفض (غير فاعل حتى الآن)، وكل عمل تقوم به ضد حزب الله أو ضد المقاومة العربية عموما هو موضع شك وتساؤل. وإذا كان يظن النظام المصري أن سيحصل على تأييد الشعوب العربية في ملاحقته لحزب الله وحماس وعموم المقاومة العربية فإنه مخطئ تماما.
الأنظمة العربية لا تساعد نفسها بمثل هذه الأعمال التي يقوم بها النظام المصري تحت ادعاء السيادة والكرامة الوطنية، فنحن جميعا نعرف أن السيادة الوطنية العربية مفقودة، ويستطيع أي موظف صغير في البيت الأبيض الأمريكي أن يتحدى رئيس أكبر دولة عربية. على العكس، تكرس هذه الأنظمة النظرة الشعبية العربية، وتؤكد بأنها أنظمة مطواعة لأعداء الأمة. وإذا كانت الأنظمة العربية تخشى ما يسمى بالمدّ الشيعي (علما أن علاقتها بالإسلام واهية، وأنا متأكد من أن قادة العرب من مراكش حتى العراق لا يعرفون الفرق بين السنة والشيعة)، وأنها بأعمالها هذه تحافظ على أهل السنة، فإنني أرى أن أهل الشيعة سيقودون المسلمين بتأييد جماهير السنة. أما إذا كانت الأنظمة تبحث عن مخرج للأمة ككل، فإن عليها أن تتخلى عما هي فيه من تدنّ وانحطاط، وتتبع سياسات جديدة تعبر عن طموحات الناس، وتجعل لآمالهم معنى.
قلوب الشعوب العربية مع غزة وفك الحصار عنها، ولا أرى أن أعمال النظام المصري في تشديد الحصار تستهوي مشاعر الناس. تشديد الحصار يثلج صدر إسرائيل، لكنه يملأ قلوب العرب اشمئزازا ومقتا.

الأحد، 12 أبريل 2009

كاتب اردني : سياراتنا "مكشّرة" مثلنا تماما...احمد حسن الزعبي

حتى سياراتنا صارت تشبهنا، قبل غروب شمس الجمعة، أراقب السيارات العائدة من رحلات عائلية- دون ان أنتبه الى ركّابها أو أقرأ ملامحهم - أشعر ان السيارة ''مبوّزة'' و''مكشّرة'' وزهقانة الطلعة (بقشرة بصلة)..مشهد يتكرّر دائماً، الزوجة تنظر الى اليمين باكتئاب، الزوج ينظر الى اليسار بعصبية، الأولاد مكدّسين في الكرسي الخلفي أو في صندوق البكم، ضجيج الطناجر يتعالى ''بالطبون'' مع كل منعطف أو عند كل قفزة عن مطب..جو من الصمت والملل يخيم على ''الترويحة'' وكأنهم للتو قد عادوا من واجب عزاء..شتائم متفرّقة كلما ''لزّ'' عليه احد السائقين، أو ضحك أحد الأولاد بصوت مرتفع، وكلمات نابية تهدى من قلب خالص الى البلدية والأشغال والشوارع والرحلات و''اللي بطلعوا رحلات'' كلّما وطأ العجل الأمامي حفرة عميقة أو فاجأه مطبّ جائر..
بصراحة، ليس لدينا ثقافة المتعة، لأننا لم نتعلّم فن''الانبساط'' منذ ولدنا..نتعامل مع كل الأشياء التي نعيشها بأنها ''واجب'' و''هَمّ'' يجب الخلاص منه بأقصر وقت وبالتي هي ''أزفت''..حتى الرحلات التي نمارسها من اجل تغيير الجو، نفشل ونستغلّها في تعكير الجو..مثلاً اذا قالت ام يحيى بأن تلك الشجرة وارفة الظلال وتصلح للجلوس تحتها..يرفض أبو يحيى- لمجرّد الرفض- متحججاً بالذبّان والزعران وكثرة ''البواهش''..وإذا أشارت إلى مصفّ جيّد يستطيع ان يركن به ''بكمه'' ..هزّ رأسه ونفخ ''نيعه'' متّهماً إياها في سرّه ''بقلّة الفهم''..يبحث عن أتفه الأسباب ليشعل نار غضبه المشبّع بزيت المزاج السيء..''جبتوا غطا الدلو الأزرق مشان اهفّ ع الفحم''؟!..فترد الزوجة بانكسار واعتذار : لا والله نسينا!!..فيتمتم قائلاً: هيك هيك للّي بنتكل عليكو!!..مع انه يستطيع أن يتدبّر أمره في أي كرتونة أو قطعة بلاستيك ملقاة على الأرض او تحت الشجر..يسأل ثانية بعد ثوانٍ: وين قطرميز الشطّة المفتوح؟!!..فتقول له: جبنا القطرميزالمسكّر!!..فيعود ثانية ويفتعل مشكلة ليبيّن ''نقاصتها'' وسوء إدارتها: عقلي بقلّي أرجعكوا مطرح ما جبتكوا .انتو مش شغل شم هوا..انتو شغل اكل هوا!!..ثم يتمدّد مزاجه ''الرديء'' ليطال الأولاد الهاربين من قمع الشقق وخصوصية الجيران: (اللي بيبعد، بمصع رقبته)..(وأنتِ إلبسي ع راسك)..(ورحمة ابوي ان صرت واصلك يا شلاش ..لأحتّ أسنانك حتّ)..اي متعة واي رحلة التي قد يفسدها: ''غطا دلو'' أو''قطرميز شطة''، وأية شمّة هوا التي يكون نتيجتها: ''مصع الرقاب وحتّ الأسنان''؟!!..قلت حتى سيارتنا تشبهنا، هذا ما لمسته يوم الجمعة الماضي، ''العمّة'' تجلس في الكرسي الأمامي وبين قدميها ''ترمس مي'' وتسأل عن موعد آذان المغرب، الكنّة في الكرسي الخلفي ترضع طفلها بصمت وتعب، الراديو مطفأ،أحد الأضوية الأمامية ملذوع، كاسات بلاستيك مستعملة في حقيبة الأم اليدوية لإعادة استغلالهن ''تطقطق'' كلما حركت كوعها..وأطفال نيام تفوح منهم رائحة البصل المشوي والعشب البري و''الحندقوق''..والأب ينفخ من غير سبب، ومع كل غيار ''للجير'' لا يتوانى عن ترديد عبارة : ''حسبي الله ونعم الوكيل''.

السبت، 11 أبريل 2009

أين العرب من الحرب الإقليمية على البحر الأحمر وأفريقيا ؟ ..عريب الرنتاوي

القوى الإقليمية الثلاث الفاعلة في هذه المنطقة (إيران، تركيا وإسرائيل)، تبدو في حرب معلنة ومضمرة على أفريقيا...تركيا استضافت العام الفائت (2008) أول قمة تركية أفريقية بمشاركة رؤساء دول وحكومات أكثر من خمسين دولة...وإيران أعلنت العام ذاته، عاما لتطوير العلاقات الإيرانية الأفريقية كما صرح بذلك منو شهر متكي ومن أديس أبابا، وطهران تسعى في استضافة قمة إيرانية تركية، أو اجتماعا على المستوى الوزاري على الأقل، فيما إسرائيل تمد نفوذها في القارة السوداء كالإخطبوط متشعب الأذرع والعيون.

بين تركيا وإيران، ينحصر التنافس في الميادين السياسية والاقتصادية والثقافة والاجتماعية، كل طرف يسعى في خطب ود دول القارة، أنقرة خصصت برنامج مساعدات معلن ومعروف وشفاف، فيما طهران لديها شبكة واسعة من البرامج متعددة المستويات والطبقات التي لا نعرف عنها الكثير سوى أنها فاعلة ومؤثرة وتحتية، والمؤكد ثمة بعد مذهبي (وسياسي) مؤثر في درجة تطور علاقة هذه الدولة الأفريقية أو تلك بكل من إيران وتركيا.

إسرائيل التي نظرت وتنظر لأنقرة كرديف استراتيجي، تضع لإيران في المقابل كخطر وجودي، وهي إن كانت مستعدة لـ"النظر بعين العطف" لدور تركيا في القارة السوداء، إلا أنها تتابع بكل القلق تزايد النفوذ الإيراني على مقربة منها ومن الطرق البحرية المؤيدة إلى ميناء إيلات، وتحديدا في الدول المشاطئة للبحر الأحمر.

في سعيها لاستهداف إيران وتشديد أطواق العزلة حولها، وربما التمهيد لتوجيه ضربة عسكرية لها قبل الصيف القادم، فتحت الاستخبارات الإسرائيلية مؤخرا ملف "خطوط تهريب السلاح من إيران إلى غزة" عبر الخليج وباب المندب واليمن وبور سودان، مرورا بالطبع بالعمق المصري وعطفا على صحراء سيناء وصولا إلى القطاع المحاصر وأنفاق التهريب المفضية إليه.

ومن أجل قطع "طريق الحرير" الجديد هذا، شنت طائرات وقطع بحرية إسرائيلية ثلاث غارات على السودان كما تقول المصادر الإسرائيلية، استهدفت (مرتين) شاحنات على مقربة من الحدود السودانية مع مصر، وضربت سفنا صغيرة في ميناء بور سودان أو على مقربة منه.

الروايات الإسرائيلية تتحدث عن دور إيراني رسمي ومنظم في عمليات التهريب، وهي تقول أن السلاح يأتي أولا للحوثيين في اليمن، ومن ثم يواصل طريقه إلى السودان فحماس في قطاع غزة، وإذ ترافقت التسريبات الإسرائيلية مع أحاديث عن كشف شبكة كبيرة لحزب الله في مصر، تزود حماس بالمال والسلاح، فإن الرواية الإسرائيلية تأخذ طابعا دراماتيكيا إقليميا، أكثر "جدية"، وأقرب تناولا.

وتمضي تل أبيب في نسج فصول إضافية لحكاية الخطر الإيراني المتمد لأفريقيا والبحر الأحمر، فتقول أن إيران تحتفظ بقاعدة بحرية لها في ميناء عصب الإيرتيري، وأنها تستخدم هذه القاعدة لتكون على مقربة من إسرائيل إن حصل الاشتباك العسكري بين الدولتين، فضلا عن تهريب السلاح لحلفاء طهران في غزة واليمن والسودان وأفريقيا عموما.

في ظني أن إسرائيل تبالغ عن قصد وغرض، في تصوير الحضور الإيراني في أفريقيا والبحر الأحمر، ولقد علمت من مراجع أوروبية ذات صلة، بأن ما يقال عن قواعد إيرانية في أيرتريا مبالغ به، وأن إسرائيل ما زالت تحتفظ لنفسها بقواعد في أفريقيا، ومن ضمنها إيرتريا.

الخلاصة تقول، لإيران وجود في أفريقيا والبحر الأحمر، بيد أن إسرائيل معنية بتضخيمه والحديث عن "خطر إيراني" هناك، والهدف "بناء قضية" ضد إيران، ظاهرها التمدد والتغلغل وتهريب السلاح، وباطنها البرنامج النووي الإيراني، وهي مسرحية تبدو واشنطن على دراية بمن كتبها ووضع السيناريو والحوار لها، ولهذا حذر جو بايدن، نائب الرئيس الأمريكي، من مخاطر "التهور الإسرائيلي" واحتمالات قيام تل أبيب بتوجيه ضربة عسكرية لإيران، وكذلك فعل الجنرال بترايوس من قبل.

ولا شك أن واشنطن تعرف ما في جعبة نتنياهو وحكومته، وأنها تابعت الاجتماعات الثلاثة التي عقدها الرجل منذ تشكيل حكومته للمستويين الأمني والعسكري للاطلاع على خطط الضربة العسكرية لإيران، حيث خرج بمفاجأة من النوع السار على حد قوله، ألا وهي أن تل أبيب أصبحت جاهزة لتنفيذ الضربة العسكرية لإيران عملياتيا، وأن جهوزيتها هذه لا ينقصها سوى القرار السياسي، الذي يحتاج بدوره إلى تهئية وتحضير، وهذا ما تقوم به آلة الدعاية الإسرائيلية اليوم، من البحر الأحمر والسودان وميناء عصب، وانتهاء بلبنان وغزة وشاحنات السلاح وخلايا إيران النائمة واليقظة في المنطقة.

أما نحن كعرب، فغائبون تماما عن الصورة، فقدنا إيرتريا من قبل، والأرجح أننا سنفقد الصومال وجيبوتي وجزر القمر من بعد، والبحر الأحمر الذي طالما عُدَّ بحيرة عربية، يبدو العرب اليوم، الطرف الأضعف في تقرير مستقبله ومصائره، وجارتنا الإقليمية (القارة السوداء) التي طالما كانت مجالا حيويا لنا، تتحول إلى ساحة لاصطراع قوى إقليمية ودولية، ليس من بينها قوة عربية واحدة، لكأنه كتب علينا أن نكون "شهود زور" هذا العصر، وفي مختلف الأزمات والملفات.

المكتئبون .... عيسى قراقع

أشار مؤخرا تقرير أممي صادر عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي الى أن 80 % من الشباب الفلسطيني يشعر بالبؤس والاكتئاب وان أكثر من 54 % منهم لا يشعر بالأمان والاستقرار.وسبق أن وصفت التقارير والأبحاث التنموية المجتمع الفلسطيني بأنه مجتمع فتي، حيث أن نسبة الشباب عالية جدا، وقد وضعت برامجا وخططا لاستغلال هذه الثروة البشرية من الشباب في مجالات التنمية والمشاركة على أساس أن تطوير المجتمع يتم من خلال دعم الشباب وبناء مستقبل واعد لهم.وبرغم كثافة الندوات و ورشات العمل والبرامج التي قامت بها مؤسسات أهلية ورسمية لإزالة البؤس والقلق من نفوس الشباب الفلسطيني وتوفير الفرص لهم، فإن نسبة هذا البؤس لا زالت عالية وعدد المهاجرين يرتفع، وكذلك فإن نسبة البطالة في صفوف الشباب كبيرة حيث وصلت إل 35 % في الضفة و51 % في قطاع غزة.إن هذا المسح الذي أجراه برنامج الأمم المتحدة الإنمائي له مؤشرات اجتماعية ونفسية وسياسية مختلفة، وفي هذا الصدد تذكرت ما قاله وزير الصحة الدكتور فتحي أبو مغلي بأن مليون فلسطيني كل عام يراجعون العيادات النفسية.المجتمع الفلسطيني أصبح مجتمعا مشوها، واعتقد انه لا يوجد مجتمع في العالم تعرض للتدمير الذاتي الاجتماعي والنفسي كما جرى للشعب الفلسطيني بفعل الاحتلال والصراع الذي طال أمده وامتد و تعمق حتى تحول الى شعب غير عادي.ولم تنجح كل الوسائل الإجرائية والشكلية في إنقاذ الشعب الفلسطيني من أعراض الاحتلال سواء الحل الاقتصادي أو الحل الديمقراطي لأنها لم توفر الحرية والاستقلال لهذا الشعب كي يعيش بكرامة كغيره من شعوب البشر.من الطبيعي أن تكون نسبة اليأس والبؤس عاليتين في وسط الشباب الفلسطيني عندما تتمحور الحياة الفلسطينية في مسيرة كلها جنازات ومشاهد دماء ومجازر واعتقالات بالعشرات وتنكيل واعتداءات أمام الحواجز العسكرية الكثيرة.ومن الطبيعي أن يكون المشهد اليومي قاسيا في ظل الحصار والإغلاق وانعدام فرص العمل والقدرة على مواصلة التعليم في ظل استعمار استيطاني متسارع يأكل الأرض والطبيعة والبيئة ويبتلع الشجر والماء والفصول الأربعة.نحن مكتئبون لأننا نفتقد الى الحرية، ولأن العالم لم يعط مساحة لأنسانية وحقوق الشعب الفلسطيني كي يثبت جدارته ويبني حياته الطبيعية على أرضه بسبب غياب العدالة.نحن مكتئبون لأن كل الأخبار والأنباء التي تتعلق بنا مأساوية ، وما يجري حولنا وفي حاراتنا و في بيوتنا ذو رائحة مفجعة تسبب التوتر وتطلق كل أسئلة الخوف والقلق من غد لا يعرف أحد كيف يكون.نحن مكتئبون عندما يعلن مركز الإحصاء الفلسطيني عن أكثر من 4000 وحدة استيطانية تم إنشاؤها بعد مؤتمر انابولس وانه تم هدم أكثر من 90 منزلا وتدمير 8 آلاف شجرة.لم تستطع اللجنة الرباعية أن تحسن شروط حياة الفلسطينيين في معازلهم المغلقة، ولم تستطع أن تكبح جماح المجازر الدموية في قطاع غزة، وتوقف سفك الدماء بحق النساء والأطفال في تلك الحرب الخالية من الرحمة.نحن مكتئبون لأن أسرانا دخلوا موسوعة جينيس العالمية بعد أن بلغ عدد الذين تجاوزوا ربع قرن في الاعتقال 23 أسيرا، وينطفئون كل عام و يزدحمون في ليل الزنازين في انتظار قمر السلام.نحن مكتئبون جدا أمام الانقسام السياسي الجغرافي بين الضفة وغزة الذي تحول الى أمر واقع وأصبحت المصالح الحزبية والمذهبية على حساب الوحدة الوطنية والتحرر من الاحتلال.نحن مكتئبون بعد أن قرأنا التقرير الأسود للهيئة المستقلة لحقوق الإنسان الذي يقول بأن نظامنا السياسي يتجه نحو النظام البوليسي نتيجة انتهاكات كثيرة للحريات وحقوق الإنسان وتقصير في الأداء الإداري والقضائي.نحن مكتئبون لأننا الشعب الوحيد المحتل الذي رفع شعار التعايش والسلام كخيار استراتيجي ليرد علينا الشعب الإسرائيلي بحكومة متطرفة لا تؤمن بالسلام ولا تعترف بحقوقنا السياسية المشروعة.نحن مكتئبون عندما قرأنا استطلاع مؤسسة( فافو) التي وجدت أن شعبية المجتمع الدولي والقيادات الوطنية منخفضة، حيث فقد الفلسطينيون ثقتهم في مقدرة المجتمع الدولي على المساهمة في الوصول الى سلام قادر على إنهاء الصراع لأن إسرائيل دولة فوق الشرعية والقانون.الاكتئاب حالة سياسية مركبة ومنهج مدروس يقود الى إيصال الشعب الفلسطيني الى تقبل الواقع الراهن والتعايش مع القمع و الاحتلال والتكيّف مع عذاباته ومعاناته اليومية حتى يصل الى مرحلة الاستسلام.تقول حركة التاريخ عندما يغيب العلاج وتتشوش الرؤيا فإن البؤساء والمكتئبين والمعذبين سوف يثورون على أنفسهم وعلى غيرهم ويشعلون النار في كل مكان. المكتئبون سيهتفون مع محمود درويش:
لا نريد أن نكون أبطالا أكثر
ولا نريد أن نكون ضحايا أكثر
نريد أن نكون بشرا عاديين