الأحد، 28 يونيو 2009

سبع معارك لإنشاء «السلطة الفلسطينية الثانية» ....بلال الحسن


تعيش الأوساط الفلسطينية جو ترقب وانتظار، لما سيسفر عنه الحوار الفلسطيني الشامل الذي ترعاه القاهرة، والذي تبدأ اليوم (28/6/2009) جولته الأخيرة، والتي ستتوج بلقاء ختامي يوم 7/7/2009، تعلن فيه وثيقة الاتفاق النهائي، حول الصيغة الجديدة لإدارة الوضع في قطاع غزة بعد حالة انقسام استمرت ثلاث سنوات.
إلا أن أوساطا فلسطينية وثيقة الاطلاع، ووثيقة الصلة بالفصائل ومواقفها وأوضاعها الداخلية، ترى أن هذا الاتفاق، وأن هذا الجو المتفائل، قد يصمد لفترة قصيرة، ولكنه لا يملك وسائل البقاء لفترة طويلة، وربما يتمخض عن صراع داخلي آخر جديد، يكون أعنف من السابق.
يقوم الاتفاق الجديد حسب المعلومات المتوفرة على الأسس التالية :
أولاَ : تشكيل هيئة وطنية لإدارة شؤون قطاع غزة، تتكون من 27 عضوا، وتتكون كما يلي: 12 من حماس، 10 من فتح، وعضو واحد لكل من الجبهة الشعبية والجبهة الديمقراطية وحزب الشعب والصاعقة، وامتنعت حركة الجهاد عن المشاركة.
ثانياَ : تكون صلة الهيئة مباشرة مع الرئيس محمود عباس، وتعمل تحت إشرافه.
ثالثاَ : تتولى حكومة سلام فياض في رام الله، مسؤولية الشؤون الإدارية والمالية والصلة مع الهيئات الدولية المتعلقة بقطاع غزة.
رابعاَ : تشرف الهيئة الوطنية على إعادة الإعمار في قطاع غزة.
خامساَ : يتم فتح معبر رفح البري، ويتم تشغيله حسب اتفاق عام 2005، بوجود حرس الرئاسة، مع حضور إداري لحركة حماس.
سادساَ : تتشكل هيئة خبرات أمنية، بمشاركة عربية، لإعادة هيكلة الأجهزة الأمنية.
سابعاَ : تجري الانتخابات المقبلة على أساس القائمة النسبية (75% من النتائج)، وقوائم الدوائر بنسبة (25% من النتائج)، وتكون نسبة الحسم للقوائم 4%. ويعني هذا الاتفاق من جملة ما يعني، أن حكومة حماس في غزة انتهى دورها. هذا الاتفاق، سواء قيض له أن ينجح أو يفشل، هو حصيلة معركة سياسية خاضها الرئيس الفلسطيني عباس ضد حركة حماس، وبمساندة عربية ودولية. وهي واحدة من سبع معارك سياسية خاضها عباس بكثافة وفي وقت متزامن، ولا يزال يخوضها من أجل بلورة صورة جديدة للوضع السياسي الفلسطيني.
لقد تبلورت السلطة الفلسطينية بعد اتفاقية أوسلو (1993)، وبعد الانتخابات الرئاسية والتشريعية عام 1994، ونشأ بعدها ما يمكن أن نسميه (السلطة الفلسطينية الأولى)، حيث كانت حركة فتح هي المسيطرة، وكانت أيضا بمثابة الحزب الحاكم. وتحت راية (السلطة الفلسطينية الأولى)، تم استحداث منصب رئيس الوزراء، ثم جرت انتخابات رئاسية جديدة بعد غياب الرئيس ياسر عرفات (عام 2005)، وأصبح محمود عباس هو الرئيس الفلسطيني الجديد. وكان يفترض أن تكون فترة رئاسته امتدادا وتكميلا لـ (السلطة الفلسطينية الأولى)، إلا أن الوقائع على الأرض أثبتت أن رئاسة محمود عباس كانت بداية لقيام (السلطة الفلسطينية الثانية). ليس بسبب نجاح حركة حماس بالانتخابات التشريعية، وليس بسبب الصراع الذي نشب في قطاع غزة وأدى إلى فرض سيطرتها على القطاع، بل بسبب مجموعة من السياسات مارستها الرئاسة الفلسطينية، وهي التي بلورت ملامح (السلطة الفلسطينية الثانية).
ما هي ملامح السياسات التي ميزت عهد الرئيس محمود عباس؟ يمكن أن نعدد عناوين هذه السياسات كما يلي :
أولاً : خاض أبو مازن حربا أمنية ضد التنظيمات المقاتلة للاحتلال، ومنها تنظيم حركة فتح (كتائب الأقصى)، فحجب عنها التمويل، ثم أصدر مرسوما يقضي بأن كل من يحمل سلاحا غير سلاح أجهزة الأمن، هو شخص خارج على القانون. ثم بدأ حملة مصادمات واعتقالات مع كل من رفض تنفيذ هذا الأمر.
ثانياً : خاض حربا ضد قيادة حركة فتح (اللجنة المركزية) لأنها لم تتجاوب مع سياساته. فهمش هذه القيادة، ولم يعد يشركها في مناقشة السياسات والقرارات، وأبعد عناصرها عن الإسهام في السلطة أو في الوزارات. وبلغت معركته مع القيادة ذروتها عند الاختلاف حول مكان وزمان عقد مؤتمر حركة فتح السادس، فرفضت هذه القيادة موقف عباس المصر على عقد المؤتمر في الضفة الغربية وفي شهر آب القادم. وسبق ذلك تعطيل عمل القيادة، بعد اختلافها حول رئاسة حركة فتح، ومن يحق له دعوة القيادة للاجتماع، ومن يحق له ترؤس جلساتها، عباس رئيس الحركة أم فاروق القدومي أمين السر؟
ثالثاً : خاض أبو مازن حربا ضد اللجنة التحضيرية المخولة الإعداد لعقد مؤتمر فتح السادس (العضوية، الوثائق، المكان، الترتيبات الإدارية.. الخ)، وكان يرأس هذه اللجنة محمد غنيم أبو ماهر، وهو أيضا مفوض التعبئة والتنظيم في الحركة. وارتأت هذه اللجنة دائما ضرورة عقد مؤتمر فتح في الخارج لكي يمكن حضور جميع الأعضاء. ولكن اللجنة، وبعد عمل طويل، فوجئت بقرار من عباس يعلن انتهاء مهمتها، ثم فوجئت باجتماع بكوادر فتح ينعقد في مقر الرئاسة برام الله، ويتخذ قرارا بحل اللجنة، وبتحديد مكان وزمان عقد المؤتمر في الداخل. وهو الأمر الذي رفضته اللجنة، وواصلت عملها من دون الرئيس عباس.
رابعاً : ثم خاض الرئيس عباس حربا ضد المجلس الثوري لحركة فتح، وفيه أعضاء من الداخل والخارج، لكي يناقش ويدعم قرار عقد المؤتمر في الداخل، فاحتج على ذلك أمين سر المجلس يحيى عاشور، فرفض دعوة المجلس للانعقاد، وسافر إلى الخارج. فتم تجاوزه، والإيعاز لنائبه لتوجيه الدعوة باسمه، فتم ذلك، وانعقدت جلسة لمن حضر من أعضاء المجلس الثوري المقيمين في الداخل فقط، ولكن لم يتوفر فيها النصاب اللازم وهو الثلثان، فانفضت الجلسة دون بحث أو قرار. ثم عقدت الجلسة الثانية في اليوم التالي مباشرة بنصاب النصف زائد واحد، واتخذت قرارا مؤيدا لقرار الرئيس عباس. وهو أمر يعني أن حدة الخلاف الداخلي ستتسع على صعيد القيادات، ثم على صعيد أعضاء المجلس الذين يرفضون فكرة عقد المؤتمر في ظل الاحتلال.
خامساً : وخاض الرئيس عباس حربا ضد الكتلة البرلمانية لحركة فتح في المجلس التشريعي الفلسطيني، فأقام حاجزا بينها وبين تشكيل الحكومة الفلسطينية. فبادرت الكتلة إلى انتقاد حكومة سلام فياض ومنجزاتها، واعتبرت أنها تعمل بتعمد لإقصاء حركة فتح عن السلطة، ودعت إلى إقالة الحكومة، وإلى أن يتم التشاور مع حركة فتح عند تشكيل حكومة جديدة. وعندما تشكلت حكومة جديدة برئاسة فياض للمرة الثانية، تواجد بداخلها أعضاء من فتح، ولكن الكتلة البرلمانية برئاسة عزام الأحمد أعلنت أنها لم تتم استشارتها بأي أمر يتعلق بالحكومة، ودعت أعضاء فتح المتواجدين فيها إلى الاستقالة.
سادساً : خاض الرئيس عباس ولا يزال يخوض، حربا ضد حركة حماس في الضفة الغربية، حيث تقوم أجهزة الأمن التابعة لحكومة فياض، بحملة اعتقالات متواصلة ومتكررة لكوادر حركة حماس، وبتهمة اقتناء سلاح، أو بتهمة أنها تشكل خطرا على الأمن، وأحيانا بتهمة التحضير للقيام بانقلاب على السلطة. وقد لعبت هذه الاعتقالات دورا في تعطيل حوارات القاهرة، حتى أن الرئيس عباس أصدر أوامر بالإفراج عن عدد من كوادر حماس المعتقلين، ولكن حركة حماس تتهم بأن الإفراج يتم عن عدد من الأشخاص، ثم يتم اعتقال عدد أكبر في اليوم التالي.
سابعاً : بدأت السلطة الفلسطينية في خوض معركة جديدة ضد رئيس المجلس الوطني الخارج لتوه من سجون الاحتلال، وهو الدكتور عزيز دويك، ومنعته عند خروجه من السجن من دخول مبنى المجلس، حيث أعلن عن نيته عقد مؤتمر صحافي للحديث عن الوضع السياسي. وبعد منعه هذا أعلن أنه ينوي دعوة المجلس التشريعي للانعقاد وبحث كيفية الخروج من مشكلة الانقسام القائم، ولكن رئاسة كتلة فتح في المجلس قالت إنه لا يحق لرئيس المجلس التشريعي دعوته للانعقاد، وأن هذه الدعوة هي من حق الرئيس عباس، الذي يجب أن يدعو إلى دورة عادية، ثم تنعقد الجلسة برئاسة رئيس السن، ثم تتم الدعوة لانتخاب رئيس جديد للمجلس (!!!).
وبهذا تكون الرئاسة الفلسطينية في معركة مستديمة مع أجهزة قيادية عديدة في حركة فتح. ومع حركة حماس ذات الأغلبية (الأسيرة) في المجلس التشريعي. ومع رئيس المجلس التشريعي، والذي تنكر عليه كتلة فتح رئاسته للمجلس، بينما اعتقلته إسرائيل وحاكمته وسجنته بسبب ذلك.
وبهذا تكون الرئاسة الفلسطينية قد قررت التعاون مع جزء من حركة فتح هو تنظيمها في الداخل فقط، وتجاهل كامل جسم حركة فتح في البلاد العربية والعالم.
وبهذا تكون الرئاسة الفلسطينية قد قررت إلغاء مبدأ التعاون مع حركة حماس، أغلبية كانت أو أقلية، مع وجود أنباء تقول إن الرئيس جيمي كارتر أبلغ حركة حماس عند زيارته لها في غزة، أن عليها أن تقبل شروطا معينة، وإلا فإن أحدا لن يتعامل معها، حتى بعد المصالحة في القاهرة، وقد لا يسمح لها حتى بالمشاركة في الانتخابات حسب قوله.
وبهذا يكون قد نشأ تحالف جديد بين السلطة الفلسطينية وبين سلام فياض وحكومته وأجهزته الأمنية.
وبهذا يكون عهد (السلطة الفلسطينية الثانية) قد بدأ.

بانتظار إقران أقول مشعل بالأفعال...شاكر الجوهري

26-6-2009

يصعب على غير الحاقدين، أن لا يعجبوا ويصفقوا من الأعماق للمواقف والسياسات التي عبر عنها خطاب خالد مشعل، وقد جعل مستمعيه من العرب والمسلمين، وفي المقدمة منهم الفلسطينيون أهل القضية، يستشعرون بواطن العزة والكرامة في وجدانهم، التي لطالما عمل محمود عباس على محوها من الذاكرة الجمعية الفلسطينية، عبر التشكيك بجدوى مقاومة الإحتلال، بل وتجريمها..!

إن هذه المواقف والسياسات يجب أن تفرض وحدة وطنية فلسطينية من طراز جديد، تضم كل المؤمنين بحق شعبهم في المقاومة والحرية والحياة، بمواجهة معسكر الأعداء الذي لا يقتصر فقط على اميركا واسرائيل وحلفاء اميركا واسرائيل من غير العرب والفلسطينيين..! وفي المقدمة من بين أطراف هذه الوحدة، توجد مقاعد تنتظر أن يجلس عليها شرفاء حركة "فتح"، وفي المقدمة منهم فاروق القدومي، أمين سر اللجنة المركزية للحركة.


المواقف والسياسات التي عبّر عنها مشعل لا تمثل فقط مواقف وسياسات حركة "حماس"، بل هي تمثل مواقف وسياسات كل شرفاء الشعب الفلسطيني، وقواه المقاومة.. وهذه المواقف والسياسات هي تحديدا ما يقف وراء الإنقلاب الذي نفذه عباس ضد نتائج العملية الديمقراطية الفلسطينية، ممثلة في نتائج الإنتخابات التشريعية الفلسطينية، كما ضد تاريخ وبرنامج وأهداف وثوابت حركة "فتح".


هذه الحقيقة يتوجب ترجمتها إلى أفعال، وبرامج عمل مشتركة بين كل شرفاء الشعب الفلسطيني.


وإذا كان مشعل يرفض حالة الإنتظار السلبي التي يمارسها عباس والنظام العربي في غالبيته، فإنه لأوجب أن يكف مشعل والقدومي عن ممارسة ذات حالة الإنتظار السلبي لعباس ومن لف لفه، عله ينصلح حاله.


ما ترفضان أن يواصله عباس في التعامل مع العدو الإسرائيلي، عليكما أن ترفضا ممارسته في التعامل مع عملاء الإحتلال الإسرائيلي..!


لقد تأخر الفعل السياسي لقوى المقاومة الفلسطينية أكثر مما يجب، وظل في حالة انتظار مرفوضة، يأتي خطاب مشعل الخميس ليشكل برنامج عمل وتحرك لها، يجب أن يضاف له ضرورة المبادرة إلى عقد المؤتمر الوطني الفلسطيني مجددا، ليفعّل القرارات الآجلة التي اختمرت في ضمير اعضائه، فيقرر تشكيل مجلس وطني فلسطيني جديد، بواسطة الإنتخاب حيثما أمكن، وبالتوافق حيث لا يمكن، ويخرج الشعب الفلسطيني من حالة التوهان، التي يعاني منها بسبب التردد القاتل.


ضرورة الفرز لا تمليها الظروف فقط على حركتي "حماس" والجهاد الإسلامي، وشرفاء "فتح".. بل تمليها على وجه الخصوص على الجبهة الشعبية، التي لا يجوز أن تظل مواقفها معلقة بدفاتر حسابات ومخصصات وموازنات السلطة الفلسطينية..!
ونخصص الجبهة الشعبية بالإسم، وكذلك حزب الشعب الفلسطيني، ونستثني سواهما من فصائل منظمة التحرير التي لا تزال معلقة بالدفاتر المحاسبية للسلطة، أو ثبت انحرافها على نحو لا يدعو لأي تفاؤل بإمكانية إصلاح اوضاعها، ونخص بالذكر
الجبهة الديمقراطية، وتفرعاتها التي انقلبت على كل المواقف والشعارات، بل والأيديولوجيا التي كانت بررت بها انشقاقها عن الجبهة الشعبية في شباط/فبراير 1969.. وما ينطبق على الجبهة الشعبية، ينطبق بذات القدر، أو أكثر على تفرعاتها ممثلة في ياسر عبد ربه و (فدا).
لقد أثبت الزمن، كما بعض المواقف الصائبة والمرحب بها لحزب الشعب، أن اكذوبة اليسار الجديد لم تكن غير محض مؤامرة مبكرة على الشعب الفلسطيني وقضيته الوطنية.
منظمة التحرير الفلسطينية مختطفة، كما هي حركة "فتح" مختطفة، كما هي الإرادة السياسية للجبهة الشعبية مختطفة. وهذه لحظة تاريخية ثانية مواتية لإتمام الفرز، وبلورته على قاعدة نضالية تتاح خلال ستة أشهر، يتوجب عدم التفريط بها كما تم التفريط بالفرصة الأولى ممثلة في الإصطفاف الخياني المشين الذي جمع سلطة عباس مع قوات العدوان الإسرائيلي على غزة.

إن استمرار رفع شعار الوحدة الوطنية بين المقاومة وأعداء المقاومة من عملاء المحتل الإسرائيلي، أمر غير مفهوم أو مبرر، خاصة بعد أن شرح مشعل حقيقة التناقض في البرامج والمواقف التي تمثلها في الساحة الفلسطينية.
هنالك من يريد مواصلة تقديم التنازلات، والخضوع للشروط والإملاءات الإسرائيلية، ونزع كل أوراق القوة من أيدي أبناء الشعب الفلسطيني، ويرفض الإستفادة، أو حتى التفكير في امكانية الإستفادة من أية فرص تتاح، وهنالك من يصر على أن يحدث التغيير في الموقفين الأميركي والإسرائيلي وليس في الموقف الفلسطيني.


لقد مثل العدوان الإسرائيلي على غزة المسنود من سلطة اوسلو، فرصة تاريخية مناسبة للفرز، تم تفويتها بمبررات من قبيل الحرص على الوحدة الوطنية في مواجهة العدو، وضرورة تهيئة مناخات مواتية من أجل إعادة إعمار القطاع المدمر، عبر عدم تقديم ذرائع للإبقاء على معبر رفح مغلقا في وجه مواد البناء والتعمير، وبأمل حقن الدم الفلسطيني من أن يسفك بالأيدي الفلسطينية.


فما الذي حدث..؟

تم تفويت الفرصة، ولم يتم استعادة الوحدة الوطنية بسبب الإختلاف على البرنامج السياسي لهذه الوحدة، وظلت كل المعابر مغلقة في وجه مواد البناء وإعادة الإعمار، وها هو الدم الفلسطيني يتواصل سفكه بأيدي أجهزة وميليشيات سلطة دايتون.

الفرصة الراهنة يتوجب عدم تفويتها..

وهي فرصة تفوق سابقتها جدوى وأهمية..

فإلى جانب كل الفعال المشينة التي ارتكبتها سلطة عباس ـ دايتون، فإنها قادت الشعب الفلسطيني إلى قناعة أكيدة في أنها هي المسؤولة عن عدم استعادة الوحدة الفلسطينية بسبب تخندقها في الخندق الأميركي ـ الإسرائيلي، ومواصلتها سفك دماء الشعب الفلسطيني، واعتقال واختطاف خيرة أبناء الشعب..

والأهم من كل هذا وذاك، هو:

أولا: عدم حصولها على أي شيئ من اسرائيل والراعي الأميركي للعدو الإسرائيلي.

ثانيا: استشعار الشعب الفلسطيني، والرأي العام العربي والإسلامي، حالة الضعف والعجز الأميركية التي فرضت اللغة الجديدة التي استخدمها اوباما في خطاب القاهرة، للتعبير عن ذات السياسات الإمبريالية القديمة.

لقد وظف مشعل حالة الضعف الأميركية من أجل فرض شروط فلسطينية على الولايات المتحدة الأميركية، معلنا انتهاء زمن إملاء الشروط الأميركية والإسرائيلية على الشعب الفلسطيني، لكن هذه الخطوة يجب أن تتبعها الخطوة الأهم.. خطوة توحيد كل قوى المقاومة، على قاعدة برنامج سياسي واحد، وقاعدة تنظيمية مشتركة.

لا يكفي الصراخ صبح مساء بأن اللجنة التنفيذية، وكل مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية أصبحت فاقدة للشرعية.

إلى جانب الصراخ، يجب العمل على إعادة بناء منظمة التحرير، على قاعدة برنامجها المقاوم، وكل الثوابت الوطنية الفلسطينية.

لقد استمدت منظمة التحرير شرعيتها من تأييد الشعب الفلسطيني، والمؤتمرات والمجالس الوطنية الفلسطينية، ومن ثم حصلت على اعتراف المجتمع الدولي، بما قرره الشعب الفلسطيني، وفعله المقاوم.

يقول مشعل بملء الفم، وهو مصيب، أن التحول الراهن في الموقف الأميركي، وإن كان يقتصر على استخدام اللغة، يعود للفعل المقاوم في فلسطين، ولبنان، والعراق، وأفغانستان.

ونحن نضيف مذكرين، أن اسرائيل واميركا ترفضان توقيع اتفاق تسوية سياسية مع عباس لأنه ضعيف لا يستطيع فرض الإتفاق على قوى المقاومة الفلسطينية، ولذلك تم تكليف الجنرال دايتون بنزع أسلحة المقاومة وتفكيك بنيتها التحتية.

وشعورا، بالإخفاق، جاء التغيير في لغة التعبير التي استخدمها اوباما..!

وهب أن دايتون يسير على طريق النجاح في تطبيق خطته في الضفة الغربية، فإن هناك حقيقتان اخريان لا تستطيع الإدارة الأميركية تجاهلهما، ويجب أن لا تغمض المقاومة الفلسطينية اعينها عنهما:

الحقيقة الأولى: اختلاف الوضع في غزة عنه في الضفة، حيث يد المقاومة هي العليا في القطاع.

الحقيقة الثانية: حجم الخسائر الأميركية في العراق وافغانستان، وحجم الخطر الداهم الذي يتهدد المصالح الأميركية في باكستان، وهو من أهم ما يقف وراء لغة اوباما الجديدة.

هاتان الحقيقتان تفرضان المسارعة إلى البدء في بناء جبهة مقاومة متحدة تضم المقاومات في فلسطين ولبنان والعراق وافغانستان، ودولتا الممانعة في سوريا وإيران.

جبهة اقليمية متحدة لا يدخلها أي مندس مثل نايف حواتمة، الذي كان أول من طرح هذه الفكرة في ذروة حملته على حركة "حماس" بسبب علاقتها الوطيدة مع ايران.

مهمة هذه الجبهة رص الصفوف المقاومة على قاعدة برامجية واحدة، تخلو من المندسين الذين يبحثون عن المال، ولو عن طريق بيع اسرار هذه الجبهة لكل من يدفع..!!

مثل هذه الجبهة ـ فلسطينيا ـ يعوّل عليها أن تكون مركز استقطاب لكل شرفاء "فتح" الذين قد لا يتمكنوا من الإلتحاق بها بداية لأسباب معيشية نقدرها، ولكنها بالتأكيد هي الخندق الذي ستظل ترنوا إليه أبصار كل شرفاء الشعب الفلسطيني حتى ينضموا إليه، ويلتحقوا به.

أي تأجيل أو تأخير من قبل القدومي للإنضام الفعلي للصف الفلسطيني المقاوم غير مفهوم أو مبرر أو مقبول بعد الآن.

وكل تأجيل من قبل "حماس" للعمل مع شرفاء "فتح" على قاعدة إعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية، هو أيضا غير مفهوم أو مبرر أو مقبول بعد الآن


مرة أخرى نحيي المواقف والسياسات التي عبر عنها خالد مشعل، وننتظر إقران الأقوال بالأفعال.


الخميس، 25 يونيو 2009

لماذا حزب الله فقط وليس حماس أيضاً؟ ....عريب الرنتاوي


في الثالث عشر من حزيران الجاري ، اجتمع في بيروت الممثل الأعلى لسياسة الاتحاد الأوروبي الخارجية خافيير سولانا بالنائب اللبناني عن حزب الله حسين الحاج حسن ، في خطوة هي الأولى من نوعها على هذا المستوى وعلنا ، بين مسؤول رفيع في الاتحاد الأوروبي وأحد قادة حزب الله.

وفي الثامن عشر من الشهر ذاته ، أي بعد مرور أقل من أسبوع على اجتماع سولانا - الحاج حسن ، اجتمعت سفيرة المملكة المتحدة في لبنان فرانسيس ماري غاي مع رئيس كتلة حزب الله في البرلمان النائب محمد رعد ، وهو الحدث الأول من نوعه منذ أن قررت بريطانيا مباشرة الاتصالات السياسية مع حزب الله.
وقبل سولانا وغاي ، كانت أبواب الدبلوماسية الفرنسية تنفتح على مصاريعها لمندوبي حزب الله وممثليه إلى حوارات سان كلو ، وكانت الاتصالات الفرنسية مع حزب الله أكثر من أن تعد وتحصى.

لماذا تحاور أوروبا حزب الله ، وتمتنع أمريكا عن فعل ذلك؟.

لماذا تحاور أوروبا حزب الله ولا تفعل شيئا مماثلا مع حركة حماس ، مع أن الحزب والحركة ينتميان إلى مدرسة «الإسلام السياسي المقاوم» ذاتها ، برغم اختلافاتهما المذهبية ، وبرغم أن كلا الفصيلين حملا السلاح وما زالا يحملانه في مواجهة إسرائيل.
أوروبا أكثر تخففا من الولايات المتحدة من ثقل اللوبي اليهودي وجماعات الضغط الموالية لإسرائيل ، وأوروبا اعتادت أن تقوم بدور «تجسيري» للفجوات التي تباعد الغرب عن بعض خصومه السياسيين ، وهي لعبت وتلعب دور «البلدوزر» و«الدوبلير» ، البلدوزر الذي يمهد الطريق للدبلوماسية الأمريكية المثقلة بالحسابات والتحسبات ، و«الدوبلير» بلغة السينما هو الممثل البديل الذي يقوم بالأدوار نيابة عن الممثلة الأصيل طيلة فترة انشغاله أو عدم اعتنائه بتصوير لقطات محددة.

لكنّ لأوروبا مع ذلك حدودا لا تخرج عنها دبلوماسيتها إلا نادرا ، وغالبا بالتنسيق مع واشنطن ، وبما لا يغضب إسرائيل إلى الحد الذي يفضي إلى تأزيم في العلاقات ، فأوروبا التي تنفتح على حزب الله ، ما زالت تصر على شروطها الثلاثة (شروط الرباعية) للحوار والاتصال مع حركة حماس ، مع أن الأول يرفض هذه الشروط بصورة أشد حزما ووضوحا من حماس ، فهو الرائد في استخدام العنف (المقاومة) ، وهو «المبشر» بزوال إسرائيل والمنافح الأول ضد التطبيع معها والاعتراف بوجودها ، وهو الأكثر تحريضا وسخرية وإدانة للاتفاقيات العربية الإسرائيلية السابقة ، وليس للاتفاقيات الفلسطينية - الإسرائيلية فحسب.

أوروبا تعرف ذلك بلا شك ، ولكنها تميز بين حركة حماس وحزب الله ، تقاطع الأولى وتنفتح على الأخير ، برغم أن كثير من الدبلوماسيين الأوروبيين الكبار الذين حاورهم كاتب هذه السطور ، قرأوا مواقف حماس وممارساتها على النحو التالي:

القبول بالهدنة طويلة الأمد (10 - 15 عاماً) يعادل نبذ العنف (الشرط الأول) ، القبول بدولة فلسطينية في حدود الرابع من حزيران يعادل الاعتراف بإسرائيل على أراضي 48 (الشرط الثاني) ، احترام الاتفاقيات المسبقة وقبول المشاركة في مخرجاتها (السلطة الفلسطينية) يعادل الالتزام بها (الشرط الثالث).

لماذا إذن ، ترفض أوروبا الحوار مع حركة حماس ، الأكثر اعتدالا بحسابات الإسلام السياسي وتصنيفاته من حزب الله ، والأقل ارتباطا منه بإيران ، والأكثر ميلا من الحزب للتكيف مع مقتضيات المشاركة في عمليتين سياسيتين متوازيتين: عملية السلام ، وعملية المشاركة في الانتخابات والسلطة. ؟

الجواب ببساطة يعود للابتزاز الإسرائيلي ، فإسرائيل لا تخوض صراعا مع حزب الله على الأرض اللبنانية اللهم إلا إذا أخذنا على محمل الجد حكاية الغجر والمزارع والتلال ، في حين أن حربها مع حماس تدور حول «يهودا والسامرة وأورشليم القدس» ، وهنا تبدو حماس بكل المعايير الإسرائيلية العدو الأشد خطرا الذي لا يتعين التسامح مع إي اتصال معه أو انفتاح عليه ، الأمر الذي يفسر تلكؤ أوروبا وازدواجية معاييرها ، ويدفع على الاعتقاد بأن إدارة أوباما ستحتاج إلى وقت أطول - ربما - للانفتاح على حماس والاتصال بها ، رغم إشارات أوباما الإيجابية في خطاب القاهرة ، إسرائيل تقاطع حماس ، وتتشدد في فرض مقاطعة الآخرين لها ، لأنها ببساطة لا تريد شريكا فلسطينيا في عملية السلام ، بل ولا تريد هذه العملية برمتها ، وطالما أن عباس ضعيف في مواجهة الإرهاب ، وحماس هي الإرهاب بعينه ، فمعنى ذلك أنه ليست هناك عملية سلام ولا دولة فلسطينية ، ليست هناك لا رؤية ولا مبادرة ولا خريطة.. هنا الوردة فلنرقص هنا.

الثلاثاء، 23 يونيو 2009

الحرية ل سري سمور ...د. عبدالستار قاسم


تم استدعاء سري سمور من قبل أحد الأجهزة الأمنية الفلسطينية بتاريخ 20/6/2009، ولم يعد لغاية نشر هذا البيان. سري كاتب فلسطيني يبلغ من العمر 35، وهو ابن لشهيد فلسطيني. لم تنشر السلطة الفلسطينية سبب اعتقالها له، لكنه من المتوقع أن يكون الاعتقال على خلفية مقال كتبه حول أحداث قلقيلية الدموية، والذي وضع فيه جدلية تقول بأن السلطة كانت معنية بالأحداث لكي ترفع من وتيرة الخوف من حماس لدى حركة فتح، فتتوحد الحركة خلف حكومة فياض. قال سري بأن بعبع حماس (ما أسماه حماس فوبيا) يستعمل من قبل السلطة الفلسطينية من أجل تمرير سياساتها بتأييد من فتح.
إذا كانت السلطة غير سعيدة بهذا المقال، فبإمكانها أن تطلب من منظريها أن يفندوا المقال وينتقدوه بالشدة التي يرونها مناسبة، أما اللجوء إلى الاعتقال فهو أسلوب الضعفاء. إن مثل هذه الأعمال تزيد الشقة في الداخل الفلسطيني وترفع من مستوى البغضاء والكراهية.
من حق سري أن يقف معه الناس وبخاصة الكتاب وأصحاب الفكر والثقافة، لكن للأسف يبدو أن الشارع الفلسطيني بلا حراك إلى حد كبير. وعلى أية حال، إذا استمرت السلطة بمثل هذه الإجراءات التعسفية فإنها ستضخ حياة في هذا الشارع.

أوباما : التغيير الذي يتوقف عند حدود الموقف الإسرائيلي .....بلال الحسن


برز نتنياهو في خطابه الذي رد فيه على خطاب الرئيس الأميركي في جامعة القاهرة، بالصورة الكريهة نفسها التي عرفها عنه العرب. ولذلك نستطيع أن نقول إنه لم تكن هناك مفاجأة عربية، لا بالخطاب ولا بمضمونه. ولكن مفاجأة العرب جاءت من واشنطن، ومن البيت الأبيض بالذات، حين أبدى الرئيس أوباما ترحيبه بخطاب نتنياهو، معتبرا أن الخطاب يمثل خطوة إلى الأمام.
نبدأ بالحديث عن خطاب نتنياهو، لا لنفصله ولا لنحلله، فقد شاع الخطاب وعمت أفكاره، ولقي من الاستهجان والاستنكار الشيء الكثير، وتم الإعلان عن موقف عربي رسمي ضده من خلال الموقف الذي أعلنه الرئيس حسني مبارك. وما نريد قوله هنا حول خطاب نتنياهو، إنه ليس خطاب رجل واحد، بل هو خطاب جميع رؤساء إسرائيل. فكلهم عملوا حسب الأهداف والمواقف التي أعلنها نتنياهو بشأن الفلسطينيين. الفارق الوحيد أنهم كانوا كلهم كذابين وأن نتنياهو هو الصادق الوحيد بينهم، الصادق الوحيد الذي يقول إن الإسرائيليين يريدون الاستيلاء على الضفة الغربية من خلال الاستيطان، والصادق الوحيد الذي يقول إن الفلسطينيين لا يريدون دولة فلسطينية «مستقلة»، والصادق الوحيد الذي يعترف أن الإسرائيليين لا يريدون حلا متفاوضا عليه بل حلا مفروضا على الفلسطينيين رسم نتنياهو شروطه وتفاصيله في خطابه. كل رؤساء وزارات إسرائيل السابقين، عملوا وتصرفوا وتفاوضوا حسب هذه البنود التي أعلنها نتنياهو. ولكنهم اختلفوا عنه بأمر واحد، هو أنهم كانوا يسايرون واشنطن، يسايرون سياستها المعلنة، ويقولون إنهم يوافقون على إنشاء دولة فلسطينية، ومن خلال التفاوض، ثم يرسمون على الأرض كل الوقائع التي تجعل تحقيق ذلك أمرا مستحيلا.
ومن يستغرب وصف الأمور بهذه الطريقة، عليه أن يستذكر ولو قليلا، شريط التفاوض الفلسطيني مع إيهود أولمرت، ومع آرييل شارون، ومع إيهود باراك. ماذا فعل كل هؤلاء؟ من أفشل مفاوضات كامب ديفيد 2000 سوى إيهود باراك؟ من دمر الضفة الغربية ودمر أجهزة السلطة الفلسطينية، وأمر ببناء الجدار الفاصل غير آرييل شارون؟ من كثف الاستيطان وضاعفه مرات ومرات غير إيهود أولمرت؟ إن ما طالب به نتنياهو في خطابه هو ما مارسه كل هؤلاء أثناء حكمهم.
أما الجديد في مسيرة نتنياهو، فهو أنها تأتي في لحظة سياسية يتكاثف فيها تطور المجتمع الإسرائيلي نحو اليمين، ونحو اليمين المتطرف الذي ينطوي على سمات عنصرية بالغة الوضوح. إن ظواهر هذا التطور موجودة وبارزة منذ زمن، ولكنها تتكثف من مرحلة إلى مرحلة، ومن انتخابات نيابية إلى انتخابات نيابية جديدة. ومن يدرس بنية الكنيست الإسرائيلي الأخير، يجد أن نسبة الأحزاب اليمينية المتطرفة فيه قد أصبحت هي اللون الغالب. إن هذا التطور في بنية المجتمع هو الأمر الخطير في إسرائيل، وهو ما يجب أن يلفت الأنظار أكثر من خطاب نتنياهو، فحين يتطور المجتمع بهذه الوجهة، فإن الوضع يتجاوز نوايا هذا الزعيم أو ذاك، ويصبح نهجا مؤهلا لأن يفرض نفسه. وبخاصة حين يتضح أن يمينية وعنصرية الأحزاب الإسرائيلية، تجد لنفسها تطبيقات عملية تسير في اتجاهين متناقضين، الأول: رفض البحث في حق اللاجئين الفلسطينيين بالعودة من حيث المبدأ، والثاني: التفكير الجديد بضرورة تهجير من بقي متواجدا من الفلسطينيين فوق أرض وطنهم (مليون ونصف مليون فلسطيني). لقد أصبحت الأحزاب الداعية لهذا التوجه متواجدة داخل الكنيست، وأصبح وزير الخارجية أفيغدور ليبرمان من المبشرين علنا بضرورة هذا التوجه.
إن مجتمعا إسرائيليا يتطور بمجمله نحو اليمين، ونحو اليمين المتطرف، ليس مسألة سياسية أو أخلاقية فقط، بل هو أمر ينذر بصدامات وحروب مقبلة. وهذه هي الرسالة الاستراتيجية العميقة التي ينطوي عليها خطاب نتنياهو، فلهذه المسيرة السياسية المتضامنة مع هذا النوع من المسيرة الاجتماعية، نتيجة حتمية واحدة هي الحرب، الحرب في الداخل (الترانسفير)، والحرب خارج الحدود بين الدول. ومن واجب ومسؤوليات الحاكم العربي وقد سمع خطاب نتنياهو وقرأه أن يدرك ذلك، وأن يبدأ بتهيئة بلده لمواجهة حالة الحرب هذه.
بعد خطاب نتنياهو لا بد من وقفة عند رد الفعل الأميركي على الخطاب. لقد رحب الرئيس الأميركي بالخطاب واعتبره خطوة إيجابية إلى الأمام لأنه ذكر كلمة (الدولة الفلسطينية). قفز عن كل ما ورد في الخطاب من شروط ومطالب، وتمسك بكلمة (الدولة الفلسطينية).
لقد جاء موقف أوباما هذا، بعد حملته الكبيرة التي رفعت شعار «التغيير» على مستوى أميركا وعلى مستوى العالم. وجاء موقف أوباما هذا بعد خطابه «الإسلامي» في جامعة القاهرة، داعيا الفلسطينيين والمسلمين والعرب إلى علاقة من نوع جديد، ولقيت مواقف أوباما هذه ترحيبا وتفاؤلا في أوساط الفلسطينيين والعرب والمسلمين. ولكن ترحيب أوباما بخطاب نتنياهو، والقفز عن كل مضمونه من أجل التمسك بكلمة واحدة فقط، أثار دهشة شاملة، إن لم نقل استغرابا شاملا، إن لم نقل انزعاجا شاملا. وهذه الدهشة، وهذا الاستغراب، وهذا الانزعاج، ليس مسألة نفسية فقط، بل هي نوع من التساؤل حول مدى جدية أوباما بشعار التغيير الذي رفعه. وهو نوع من التساؤل حول مدى جدية أوباما في التبشير بسياسة أميركية جديدة في التعامل مع إسرائيل، ومع تسويفها الدائم الذي خرب كل محاولات التسوية السياسية في كل المراحل السابقة.
لقد كانت أميركا في السنوات السابقة كلها، شريكة مع إسرائيل في كل عمليات التسويف والخداع عبر المفاوضات. كانت تقبل من إسرائيل موافقة لفظية على مواقفها ونقضا واقعيا وعمليا لها. وكانت تقدم لها بعد ذلك التغطية السياسية اللازمة، بدءا من مجلس الأمن حيث كان الفيتو الأميركي جاهزا دائما لدعم إسرائيل وحمايتها من الغضب العالمي، وانتهاء بالمفاوضات السياسية، حيث كانت واشنطن تدعم إسرائيل في تثبيت قواعد التفاوض التي تريدها، وهي قواعد للتفاوض تتلخص برفض الاحتكام للقانون الدولي أو للشرعية الدولية. (أراض متنازع عليها وليست أراضي محتلة - القرار 242 مطروح للتفاوض حوله وليس لتطبيقه.. إلخ).
وحين جاء أوباما بدعوته للتغيير، وشدد على موقفه بضرورة وقف الاستيطان، تفاءل الفلسطينيون خيرا. أما حين أعلن ترحيبه بخطاب نتنياهو الذي لم يتضمن قبولا بوقف الاستيطان، فقد تحول التفاؤل إلى تشاؤم، والتشاؤم في الصراع العربي ــ الإسرائيلي يعني أن حالة المقاومة، وأن حالة الحرب، ستعود إلى سابق عهدها.
بعض المحللين الأميركيين يقولون إن على العرب أن لا ينزعجوا من شروط نتنياهو، فهي شروط للتفاوض، ولكن هذا الرأي مرفوض، فالمفاوضات السابقة كلها، بدأت وفشلت، بسبب هذا المنهج، لأنه منهج للتفاوض حسب موازين القوى بين الفلسطينيين وبين الجيش المحتل، حيث الغلبة دائما لجيش الاحتلال المهيمن. فإما أن تقبل شروطه وإما أن تفشل المفاوضات، ولذلك نمت الحاجة إلى موقف أميركي يضع مرجعية جديدة للمفاوضات، مرجعية القانون الدولي والشرعية الدولية. وهذا ما تفاءل الفلسطينيون والعرب بأن الأمور سائرة إليه، ولذلك فإن مفاجأتهم كانت كبيرة حين سارع أوباما إلى امتداح خطاب نتنياهو والترحيب به. لقد فهم الجميع من ذلك أن أمور التفاوض ستبقى على حالها. ومعنى هذا أن لا تغيير في الموقف الأميركي من الموضوع الفلسطيني.

مرة أخرى .. قسماً لن تفلحوا....( اعتقالالكاتب سري سمور ) ....بقلم: د.ابراهيم حمامي

ليست المرة الأولى، ولن تكون الأخيرة، فقد باتت عصابات أوسلو في الضفة الغربية في حالة هستيرية غير مسبوقة، تخاف من الإمام والأستاذ والطالب والسيدة والطفل والجماد، تخاف من الشجر والحجر، تخاف حتى من ظلها، كيف لا وهي من أمعنت في الاجرام والقتل والاختطاف، حتى أصبحت الكلمة عندهم أشد وقعاً من الحسام المهند.

اليوم وصلني وبشكل خاص خبر مؤسف يفيد باختطاف الكاتب الفلسطيني سري سمور من قبل جهاز الاستخبارات الفلسطينية – نقول الفلسطينية مجازاً – على خلفية كتاباته وآرائه والتي كان آخرها دراسة شاملة بعنوان " قلقيلية أخمدت قلاقل فتح" وهي الدراسة التي جاءت علمية تحليلية بعيدة عن أي تهجم أو انحياز لطرف دون آخر، لكنها على ما يبدو استفزت من "على رأسه بطحة"، فقرر التعامل مع السيد سري سمور بالأسلوب والطريقة الوحيدة التي يجيدها هؤلاء، الاختطاف والقمع والترهيب، وربما توجيه اتهامات جنائية كما فعلوا مع البروفيسور قاسم قبل أسابيع.

لقد تجاوز مجرمو رام الله كل الحدود، ولم يعد يردعهم أخلاق أو ضمير أو خطوط حمراء ولا صفراء، المساجد تدنس حرماتها، السيدات يعتقلن للضغط على أقاربهن، الحرم الجامعي يقتحم ويقتل فيه الطلبة بدم بارد، أعضاء التشريعي تُخرق حصانتهم ويوقفون وتنتهك مكاتبهم، أعضاء المجالس البلدية المنتخبون يختطفون، أساتذة الجامعات يفرّغ لهم جهلة للتعامل معهم، الصحفيون يهانون ويعتدى عليهم، وغيرها من الجرائم التي يندي لها الجبين.

سري سمور لم يتجاوز الحدود المرسومة من قبل مجرمي وعصابات وميليشيات رام الله، يكتب وينشر في اطار المسموح به، يتحسس مواضع قلمه، هذه هي الحقيقية لأغلب من يعيشون في ظل ديمقراطية عبّاس – فياض ونعيمها، ومع ذلك لم يسلم من الاختطاف لأنه تجرأ وحلل وبحث واستنتج، أي أنه استخدم عقله الذي أنعم الله به عليه ، وهو ما كان كافياً لاختطافه لمن ألغى عقله واحساسه وضميره وآدميته، والذي تحول إلى مخلوق تابع مأمور خانع خاضع اسمه "الفلسطيني الجديد"، أي الفلسطيني "القذر" العميل للمحتل، الضارب بيده، الناطق باسمه، المحتمي به، المستقوي بجيشه.

ما يحز في النفس هو الاستمرار في أكذوبة الحوار الفاشل حتى وان تم التوقيع على اتفاقية أو اتفاقيات في القاهرة أو غيرها، لا مصداقية لمن يعلن اطلاق سراح المعتقلين سياسياً بينما في الواقع يعتقل العشرات، لا أمان لمن يجلس ويحاور في القاهرة ليعود إلى الضفة لممارسة جرائمه، لا سلطة ولا نفود لمن يكذب كما يتنفس، ونقولها آسفين أن الاستمرار في هذا الحوار العقيم هو ما يعطي المظلة المطلوبة لهؤلاء للاستمرار بل والتمادي في جرائمهم وفظائعهم.

سري سمور هو مثال ونموذج لرفض الآخر، ولسياسات الترهيب والتعذيب والتنكيل، سري لا بواكي له في الضفة الغربية، لا ندري إلى أين سيقوده اجرام عصابات القتل في الضفة، وبالتأكيد لن نسمع مؤسسة حقوقية أو صحفية أو نقابية هناك تتحدث عنه وعن حريته، لأن هذه المؤسسات وبكل أسف هي الديكور وشاهد الزور على الجرائم القذرة التي ترتكب هناك.

في 27/04/2005 كتبت تحت عنوان "قسماً لن تفلحوا" وحول محاولات تكميم الأفواه، وكان فيما كتبت ما يلي: " لم يساورني شك ولو للحظة أن ما جرى كان سيجري، فالمتتبع لمسيرة أوسلو ورموزها يعلم علم اليقين أن هذا ما يجيدونه ولا شيء غيره، لأنه ولهذا السبب تحديداً خُلِّقت سلطة أوسلو، ولهذا الغرض سُمح لرموزها دخول فلسطين ليعيثوا فساداً وإفساداً، وليمارسوا دورهم المنوط بهم من حراسة وتشريع للإحتلال تحت شعار الوطنية، ليتطور لاحقاً فتصبح اللاوطنية "مصلحة عليا للشعب الفلسطيني" دون خجل أو حياء أو مواربة" ... ولسري أعيد ما كتبته ذلك اليوم لأقول:

" فأذكره ونفسي بقوله تعالى: "قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللّهُ لَنَا هُوَ مَوْلاَنَا وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ"، فامض على بركة الله، فما تقوم به يبعث فينا قوة وطاقة وأملاً ومثالاً يحتذى به، فأنت في الداخل تحت سمع وبصر وسطوة وجبروت أجهزة القمع، تقول ما تقول، وتتعرض لما تتعرض، دون كلل أوملل أو وجل أو خوف، فكيف بنا ؟ هل نسكت؟ هل نخاف؟هل نساوم؟ قسماً لن نفعل حتى وان سقطنا الواحد تلو الآخر في سبيل ما نؤمن به، وقسماً لن نسمح لهم بارهابنا حتى لو اجتمعت معهم قوى الأرض، وليتهم يدركون تلك الحقيقة فيكفوا عن تهديداتهم الرخيصة ومحاولاتهم البائسة.

تحية لكل صوت شريف حرِ أبي، وعهداً أن تبقى الكلمة والقلم والصوت والريشة سيفاً مسلطاً على رقاب رموز وأزلام الفساد والإفساد مهما طال الزمن، ومهما اشتدت الهجمة، وما على هؤلاء النكرات ممن يتحركون في الظلام إلا أن يراجعوا التاريخ ليتبوأوا مكانهم في مزابله".

ولكل شيطان أخرس قبل أن يسمع ويرى ثم يخنس ويسكت عن الحق، العار والشنار عليكم يا من تدعون الحياد، العار والشنار لكم يا من تتفرجون وتشهدون وتقبلون، انظروا في المرآة لتعرفوا من المجرم الحقيقي الذي سمح لحثالات الشعب وأراذله أن تتغول وتتفرعن.

قسماً لن يفلحوا مهما فعلوا، قسماً لن ينتصر الجهل والقمع والارهاب على العقل والفكر والمنطق، والأيام بيننا أيها الجبناء العملاء.

لا نامت أعين الجبناء!

الاثنين، 22 يونيو 2009

هل انتهت الأزمة الاقتصاديــة العالمية؟ .....سلامة كيلة

هل يمكننا أن نقول إن الأزمة الاقتصادية قد انتهت بعد عديد الترليونات من الدولارات التي قُدِّمت للبنوك ولبعض الشركات؟
بدا أن وصفة ضخ ترليونات الدولارات الذي قررته قمة العشرين في لندن حلاً للأزمة التي عصفت بالاقتصاد الرأسمالي، قد نجحت، بحيث تحسّنت أسواق الأسهم لبعض الوقت. لكن هل لاحت في الأفق بوادر نهاية الأزمة؟
ربما كان سوء فهم طبيعة الأزمة مدخلاً للاعتقاد بأن ضخ الأموال سيفضي إلى تجاوزها، حيث بدت وكأنها أزمة إفلاسات بنوك نتيجة نقص السيولة. ورغم أننا نتابع يومياً الأخبار عن إفلاس بعض الشركات، أو التسريح المتزايد للعمال من شركات ضخمة، أو اندماج بعض الشركات، إلا أن تراجع الحديث عن أزمة البنوك أوحى بأن الأزمة قد انتهت، أو هي على مشارف النهاية، وأن الأمور بالتالي ستسير طبيعية، وإنْ ببطء، ولمدة زمنية قد تطول، كما أشار باراك أوباما مراراً.لكن، إذا درسنا طبيعة الأزمة من زاوية أخرى، فسنلمس أنها ما زالت في بدايتها، على عكس ما يوحي الإعلام.
لقد كان الحل السريع الذي قامت به كل الدول الرأسمالية هو ضخ الأموال للبنوك انطلاقاً من «نقص السيولة» الذي يمكن أن يؤثر على مجمل الاقتصاد. وكانت البنوك قد شهدت خسارات نتيجة الإقراض المتزايد، الذي فاق كل تصور، إضافة إلى انهيار أسواق الأسهم بعدما تضخمت الأسعار بطريقة غير عقلانية في اقتصاد طبيعي. وإذا كان المدينون لم يعد باستطاعتهم السداد، فقد ورثت البنوك أصولاً هي أقل من قيمة القروض بكثير، الأمر الذي أفضى إلى خسارات فادحة أدت إلى «نقص السيولة». وعوّضت الحكومات الرأسمالية هذه الخسارات لدى معظم البنوك.
وهنا يبدو أن وضعها قد استقر.في المقابل، أدت الخسارات في أسواق الأسهم إلى إفلاس قطاع كبير من المستثمرين المتوسطين والصغار، كما أن العجز عن دفع القروض قد أفضى إلى إفلاس قطاعات كبيرة من مالكين صغار، أو من محدودي الدخل الذين حاولوا دخول التوظيف في الأسهم أو اقترضوا من أجل شراء بيت. وهو الأمر الذي عنى أن نسبة كبيرة ممن كانت لديهم مقدرة على شراء السلع المختلفة قد تراجعت مقدرتهم، وباتوا بحاجة إلى إعانة. كما أن الأزمة قد دفعت بالشركات إلى تسريح أعداد متزايدة من العمال، وهو الأمر الذي أفقدهم المقدرة الاستهلاكية.هنا نلحظ أن الأزمة المالية بدأت تؤثر على «الاقتصاد الحقيقي»، حيث تراجعت مستويات المعيشة، وتراجعت المقدرة على الاستهلاك. وهذا الأمر سيقود إلى انتقال الأزمة إلى الاقتصاد الحقيقي أكثر مما نشاهد اليوم، حيث إن أزمة الشركات القائمة الآن، هي نتاج توظيف هذه الشركات فائض استثماراتها في أسواق الأسهم والعقار، وبالتالي فقد انعكس انهيار أسواق المال مباشرة عليها. لكنها في المرحلة المقبلة، ستتأثر أكثر بفعل تراجع المقدرة الشرائية لدى قطاعات كبيرة من العمال والفئات الوسطى. ولا شك في أن المتابع لما يعلن عن خسائر الشركات المنتجة، يعرف المآل الذي سوف تتصاعد فيه الأزمة.
كان يمكن أن تُدعم الفئات تلك للحفاظ على مقدرتها الشرائية، التي تقود حتماً إلى استقرار الاقتصاد الحقيقي، أي ذاك المتعلق بالاقتصاد المنتج أساساً. لكن ذلك يعني خسائر هائلة للطغم المالية المهيمنة، التي هي ذاتها توظف في المضاربات وتمتلك الشركات المنتجة، حيث إن الفائض المالي لديها هو أكبر مما يستوعبه التوظيف في الاقتصاد الحقيقي. وربما كانت هنا المفارقة التي تحتاج إلى بحث لمعرفة طبيعة الأزمة، وعمقها، وبالتالي مآلها.
إنّ الأساس الذي بات يولّد الأزمات المستمرة في الرأسمالية، هو أن الفائض المالي (وأنا هنا لا أطلق عليه تعبيراً رأسمالياً لأنه بات خارج العملية الإنتاجية كلها) بات أضخم من أن يستوعبه الاقتصاد الحقيقي. فقد أُشبعت قطاعات الاقتصاد المختلفة (الصناعة والزراعة والتجارة والخدمات) بما يجعل أي توظيف إضافي فيها تدميراً لمجمل الاقتصاد. ولقد لمسنا كيف أن التنافس بين الشركات كان يضعها في أزمة، ويفضي إلى إفلاسها، وبالتالي تحقق الاندماجات التي هي نتيجة أزمة المنافسة وميل الأقوى إلى ابتلاع الأضعف. وربما كان مثال أزمة شركات السيارات هو الأوضح، رغم أن المسألة تتعلق بكل الاقتصاد الرأسمالي الحقيقي، الصناعي والزراعي والخدماتي والبنكي أيضاً. لهذا فليس من الممكن ضخ رساميل جديدة في هذه القطاعات.ولكن، أين يذهب المال المتراكم إذاً؟
المشكلة أنه ليس من الممكن أن يخزّن هذا المال في البنوك لأنه أصلاً موظف فيها، وبالتالي فإن البنك مضطر إلى دفع فائدة ما. لهذا أصبح يبحث عن مجالات للتوظيف خارج الاقتصاد الحقيقي، وهو ما فرض ضخ أموال إلى السوق أكبر من قدرته الاستيعابية، ممّا قاد إلى تضخم الأسعار في قطاعات عديدة، منها العقارات وأسواق الأسهم. وما من شك في أن التضخم يقود إلى العجز عن السداد، وبالتالي الإفلاس.هذه صيرورة باتت مستمرة في الرأسمالية، حيث ما دام هناك ربح، هناك تراكم مالي، لكنه بات لا يجد مجالاً للتوظيف سوى المضاربة. لكن المشكلة تكمن في أن ذلك يؤثر مباشرة على الاقتصاد الحقيقي، ويؤدي إلى أزمات عميقة. فقد أفضى هذا الوضع إلى تضخم شديد في قيم العقارات والشركات جعلها عشرات أضعاف قيمها الحقيقية. كما أن هذا التضخم أوجد كتلة نقدية دولارية أضخم بكثير من كل الإنتاج العالمي، وبالتالي باتت تمثّل عبئاً على الاقتصاد الحقيقي.كيف ستحلّ هذه المشكلات؟ ربما عبر انهيارات وأزمات مستمرة، حيث ليس من الممكن للاقتصاد الحقيقي أن يستمر في وضع تجثم عليه فيه فقاعة مالية لا تفعل سوى المضاربة، وقد باتت أضخم من الاقتصاد الحقيقي ذاته.
* كاتب عربي