الثلاثاء، 11 مارس 2014

الإعصار القادم: نحن نزرع وإسرائيل تحصد ... فهمي هويدي

بعض الذى تزرعه السلطة فى مصر هذه الأيام تحصده إسرائيل على الفور.
(1)
ما إن ذاع قرار محكمة الأمور المستعجلة فى القاهرة بحظر نشاط حركة حماس حتى ترددت الأصداء بسرعة فى تل أبيب. وقال النائب الليكودى يورام ليفين رئيس كتلة الائتلاف الحاكم فى الكنيسيت أن قرار المحكمة المصرية يعد سابقة ينبغى أن تستند إليها إسرائيل فى تعاملها مع كل مؤيدى حماس فى الداخل. وأضاف فى تصريحات نقلتها القناة الأولى فى التليفزيون مساء الأربعاء 5/3 إن إسرائيل باتت مطالبة بتغيير بنيتها القانونية لمحاربة أعدائها. تماما كما تفعل السلطات المصرية، منوها إلى أنه يتعين منع ممثلى فلسطين عام 48 من التعبير عن تطلعاتهم القومية. وهاجم ليفين الجهاز القضائى «الإسرائيلى»، سيما المحكمة العليا التى تحكم بعدم دستورية بعض القوانين الهادفة لمحاربة النخب السياسية لفلسطينيى 48 بصفتها قوانين «تمس حقوق الإنسان»، وطالب بالاستفادة من تجربة القضاء المصرى فى إيجاد «العوائق القانونية التى تقلص القضاء أمام الإرهاب».
تصريحات ليفين جاءت بعد ساعات من ظهور ما كتبه وزير الخارجية الإسرائيلى أفيجدور ليبرمان على صفحته على الفيس بوك عندما طالب بطرد ممثلى فلسطينى 48 فى الكنيست، معتبرا أنهم يمثلون حركة حماس، على الرغم من أن معظمهم يمثلون قوى علمانية وشيوعية. وتعهد ليبرمان بالعمل على عدم السماح بتمثيل فلسطينيى 48 فى الكنيست.
النائب العربى فى الكنيست جمال زحالقة رد على تصريحات ليبرمان وليفين، قائلا: «نحن أبناء هذا البلد ووجودنا فيه هو الطبيعى، فى حين أن ليبرمان وليفين هما اللذان قدما من وراء الحدود».
وفى تصريحات للقناة الأولى فى التليفزيون الإسرائيلى، وجه زحالقة حديثه لليبرمان، قائلا: «لقد أتيت من روسيا، وبإمكانك أن ترجع إلى هناك، حيث إنك لن ترى هناك العرب الذين تبغضهم».
فى ذات السياق، توقع معلق الشئون العربية فى صحيفة «هاآرتس» تسفى بارئيل أن يكون قرار المحكمة المصرية مقدمة لقرار قضائى لاحق يقضى باعتبار حركة حماس حركة إرهابية بحكم القانون، متوقعا أن يفضى الأمر إلى تأكيد زعزعة شرعية حركة حماس فى مصر.
وفى مقال نشرته الصحيفة فى عددها الصادر يوم الأربعاء (5/3)، اعتبر بارئيل أن القرار يعكس فى الواقع «الحضيض» الذى وصلت إليه العلاقات بين الجانبين. مضيفا أن من شأنه أن يلزم الدولة المصرية بعدم السماح بدخول أعضاء حماس إلى مصر. وأكد بارئيل أن الحصار الذى يفرضه الجيش المصرى على غزة يكمل الحصار، الذى تفرضه «إسرائيل»، مشيرا إلى أنه لا يتم فتح المعبر إلا ثلاثة أيام كل أسبوعين، علاوة على عدم السماح بدخول وفود التضامن المختلفة من دخول القطاع، إلى جانب الحرص على تدمير الأنفاق التى تستخدم فى نقل البضائع والأموال للقطاع.
تعددت الأصداء اليومية فى مختلف وسائل الإعلام الإسرائيلية، بما لا يتسع المجال لذكره. ورغم أنها لم تبتعد كثيرا عن الأجواء التى سبقت الإشارة إليها، فإننى توقفت عند أربعة منها هى:
•قول موشيه ارينز وزير الدفاع الأسبق إن الحرب التى تشنها مصر على حماس تقلص حاجة إسرائيل إلى شن حرب مستقبلا على غزة.
•ما ذكرته شيمرين مائير مراسلة الشئون العربية لمحطة الراديو «غالى تساهال» من أن قرار حظر حماس يشير إلى أن القيادة المصرية القادمة ستنجح فى تحقيق ما فشل فيه آخرون، بما فى ذلك دولة إسرائيل.
•نقلت صحيفة هاآرتس فى عددها الصادر فى 8/3 نقلا عن أحد أعضاء مركز البحوث الاستراتيجية فى القاهرة ــ لم تذكر اسمه ــ قوله إن النظام الحاكم فى مصر لن يعارض أى عملية من شأنها المساس بحركة حماس أو حركة المقاومة فى غزة.
•كشف أورى سيجل المراسل السياسى للقناة الثانية أن الرئيس أوباما طمأن رئيس الوزراء الإسرائيلى بنيامين نتنياهو خلال لقائه الأخير معه فى واشنطن بأن التطورات التى طرأت فى مصر منذ عزل الدكتور محمد مرسى تصب فى صالح إسرائيل. وخلال تقرير عرضته القناة ذاتها فى 4/3 أشار سيجل، الذى رافق نتنياهو إلى أن الرجلين اتفقا على دعم السلطة القائمة فى مصر فى مواجهة «القوى المتطرفة».
(2)
القرار السعودى يحسن البيئة الاستراتيجية لإسرائيل بشكل غير مسبوق. هكذا قال الجنرال عاموس بادلين رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية السابق فى تعليقه على قرار المملكة باعتبار الإخوان المسلمين حركة إرهابية، تضامنا مع مصر فى موقفها. وخلال مشاركته فى برنامج «يومان» الذى بثته القناة التليفزيونية الأولى مساء الجمعة 7/3 أضاف أن الخطوة السعودية تعد قرارا تأسيسيا يفتح الباب على مصراعيه على تحولات «إيجابية جدا» تسهم فى تضييق الخناق على الأطراف، التى تمثل تهديدا لإسرائيل.
الجنرال بادلين الذى يرأس حاليا «مركز أبحاث الأمن القومى الإسرائيلى» قال أيضا إن القرار السعودى يؤكد عزم المملكة على مساندة السلطة القائمة فى مصر، والتزامها بتوفير الظروف التى ضمن بقاءها. وهو ما يمثل مصلحة استراتيجية من الطراز الأول لإسرائيل.
فى ذات السياق رحب دورى جولد كبير المستشارين السياسيين لرئيس الوزراء الإسرائيلى بالقرار السعودى. وتوقع فى حوار بثته الإذاعة العبرية مساء الجمعة ذاتها أن يسفر ذلك عن تكثيف الحصار على المقاومة الفلسطينية خصوصا فى غزة، من خلال قطع الطريق على وصول أى تمويل مالى إليها.
أضاف جولد: «على الرغم من أن السعودية ودول الخليج قطعت شوطا طويلا فى تقييد تحويل الأموال من الخليج لقطاع غزة، فإننا نزال نأمل أن يسفر القرار الأخير عن سد جميع منافد الدعم المالى للقطاع». واعتبر أن الإجراءات السعودية ضد المقاومة فى قطاع غزة تتكامل مع الإجراءات التى أقدمت عليها السلطة فى مصر، التى نشطت فى تدمير الأنفاق، الأمر الذى قلص فرص وصول السلاح والعتاد الحربى للمقاومة فى القطاع، أضاف فى هذا الصدد قوله إنه: حين توقف السعودية التمويل المالى فإن ذلك يؤدى إلى إلحاق ضربة قوية للمقاومة الفلسطينية.
فى الوقت الذى احتفت فيه عناصر النخبة فى إسرائيل بالتحولات الحاصلة فى العالم العربى دعت أصوات أخرى إلى الحذر من الاستسلام للتفاؤل. وهو ما عبر عنه عمير رابيورت المعلق العسكرى لصحيفة «معاريف» فى مقال نشر يوم 7/3. إذ نقل عن مصدر استخبارى وصفه بأنه كبير جدا تحذيره من حقبة الاعتماد على تلك التحولات، التى تصب فى صالح الدولة العبرية، قوله إن العالم العربى بات يشهد تحولات هائلة وكبيرة جدا، وما كان منها يحدث فى سنين أو عدة عقود بات يحدث فى أيام وربما ساعات. أضاف المصدر الاستخبارى الكبير قوله إنه لا ينبغى لإسرائيل أن تركن إلى الرمال المتحركة فى الشرق الأوسط، حيث لا يستبعد أن تنقلب الأمور فى زمن قياسى ضد الأنظمة وضد إسرائيل. وإن طالب بلاده باليقظة والحذر، فإنه دعا إسرائيل إلى إعداد الخطط اللازمة لمواجهة كل السيناريوهات، التى تترتب على وقوع مختلف الاحتمالات.
(3)
هل ستتكفل المصالح بتجسير الهوة بين إسرائيل والسعودية؟ ــ السؤال كان عنوانا لمقالة نشرتها صحيفة «إسرائيل اليوم» فى 22 ديسمبر 2013. وتكمن أهميتها ليس فقط من خطورة مضمونها، ولكن أيضا من كون كاتبها هو دورى جولد كبير المستشارين السياسيين لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، وقد تلقيت ترجمة لها من الدكتور صالح النعامى خبير الشئون الإسرائيلية.
إضافة إلى تحليله الخاص فإن دورى جولد استعان بشهادة كان قد سجلها بروس رايدل أحد خبراء المخابرات المركزية الأمريكية، الذين تخصصوا فى شئون الشرق الأوسط، وذكر فيها أنه فى بعض الأحيان كانت حسابات المصالح تجمع بين إسرائيل والسعودية فى مربع واحد. دلل على ذلك بما حدث أثناء وجود الجيش المصرى فى اليمن لمساندة ثورته ضد الموالين لنظام الإمامة المدعومين من السعودية. ذلك أن رئيس المخابرات السعودية آنذاك كمال أدهم رتب اتصالا مع الإسرائيليين، بمقتضاه نقلت الطائرات الإسرائيلية إلى الموالين للإمامة عتادا ومساعدات بين عامى 1964و1966.
تتبع الكاتب ما وصفه بالبراجماتية السعودية فى التعامل مع إسرائيل، فى فتاوى الشيخ عبدالعزيز بن باز الذى أجاز مصالحة إسرائيل إذا كان فى ذلك مصلحة للمسلمين. وفى تحولات السياسة السعودية بعد أحداث 11 سبتمبر، وصولا إلى موقفها من الرئيس العراقى صدام حسين وإزاء الثورة الإيرانية حيث أدرك البلدان أنهما باتا يقفان فى صف واحد.
فى هذا السياق نجد تقريرا نشرته النسخة العبرية لصحيفة جيروزاليم بوست فى 3/1/2014 حول دور السفير السعودى فى واشنطن فى نسج العلاقات السرية مع تل أبيب. كتب التقرير يوسى ميلمان المختص بالشئون الاستخبارية وقضايا الأمن القومى، وتحدث فيه فى اللقاءات السرية التى يعقدها السفير السعودى عادل الجبير مع قادة المنظمات اليهودية فى واشنطن. فى هذا الصدد ذكر التقرير أن العلاقة الوثيقة بين الجبير وقادة تلك المنظمات تعكس التقارب الكبير، الذى حدث مؤخرا بين إسرائيل والسعودية، مشيرا إلى أن ذلك التقارب يتمثل فى نقل الرسائل والتنسيق واللقاءات المكثفة بين مستويات تنفيذية فى كل من تل أبيب والرياض. وقد أصبحت تلك اللقاءات بمثابة تقليد مستقر أرساه السفير السعودى السابق الأمير بندر بن سلطان، الذى لا يزال على صلة حميمة بقادة المنظمات اليهودية فى الولايات المتحدة.
من الملاحظات التى أبداها ميلمان أن السفير الجبير صار يوجه انتقادات علنية لسياسة الرئيس أوباما فى اجتماعاته مع قيادى المنظمات اليهودية، وأن تلك الانتقادات تلقى ترحيبا من دوائر رئيس الوزراء الإسرائيلى، خصوصا أنها مما لا تجرؤ الحكومة الإسرائيلية على توجيهه نظرا لطابعها الحاد وغير الدبلوماسى. فى هذا الصدد نوه الصحفى الخبير إلى أنه يستشف من أحاديث السفير السعودى إن الرياض تعتبر أن الولايات المتحدة «خانتها» بسبب تقاربها مع إيران، وترددها فى دعم الرئيس الأسبق حسنى مبارك.
(4)
هذه بعض مقدمات وخلفيات الإعصار الذى تلوح نذره فى فضاء المنطقة فى الوقت الراهن، وكلها تشير إلى أنها بصدد الدخول فى طور جديد تنقلب فيه الأولويات وتشيع فيه الفوضى التى تسعى إلى تفكيك العالم العربى وإزالة آثار الربيع الذى أحدث زلزالا فى جنباته. وإذا لاحظت أن الدول التى ناصبت الربيع العربى العداء منذ لحظاته الأولى هى ذاتها تقود تحولات المنطقة فى الوقت الراهن، فإن ذلك سيعد مؤشرا يمهد للإجابة على السؤال: إلى أين نحن ذاهبون؟

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق