الاثنين، 17 أغسطس 2009

الرد على «عقيدة الضاحية»: مطر من نار على غوش دان.....إبراهيم الأمين

في الذكرى الثالثة لانتهاء حرب تمّوز، يجد حزب الله نفسه في وضع أفضل ممّا كان عليه يوم بدأت تلك الحرب، حتّى إذا ما لجأت إسرائيل هذه المرّة إلى إطلاق قذائف أو أغارت طائراتها على أهداف في الضاحية أو بيروت الكبرى، فلن تمر دقائق قليلة إلا تكون سماء «غوش دان» تمطر ناراً

********

«في حرب تموز عام 2006، كان المقاتل من حزب الله يستيقظ في الصباح، يشرب قهوته، يُخرج صاروخاً من خزانته، يذهب إلى باحة جاره ثم يضع جهاز توقيت عليه، بعدها يذهب ليشاهد قناة الـ«سي. أن. أن» ليرى أين سقط الصاروخ».
المقدم إيشاي إيفروني، الذي شغل منصب نائب القائد للواء بارام في الجيش الإسرائيلي.
«غوش دان» أو وسط الدولة العبرية، حيث مركز الحياة السياسية والاقتصادية، وهي تشمل عدداً من المدن الرئيسية، من بينها مدينة ريشون ليتسيون، هرتسيليا، بني باراك، بيت يام، حولون، رمات هاشارون، رمات غان، أور يهودا وغيرها، وفي مقدم هذه المدن العاصمة السياسية والاقتصادية الفعلية، تل أبيب.
هناك يقطن أكثر من 2 مليون نسمة، ما يجعلها أكثر المناطق الإسرائيلية ازدحاماً، قياساً إلى حجمها الجغرافي، إذ تبلغ مساحتها 1500 كلم مربع. والمسافة ما بين جنوبها وشمالها تبلغ 90 كلم، وفي العرض 20 كلم. وتعدّ تلك المنطقة الأهم في إسرائيل، وتزدحم فيها مختلف أنواع النوادي والحانات والمقاهي والمطاعم والفنادق والمسارح ودور السينما والحدائق العامة والمتاحف، وفيها تجري أهم المهرجانات والنشاطات السياحية الإسرائيلية. وفوق هذا كله، هي مركز عصب الاقتصاد الإسرائيلي برمته، والمركز السياسي.

العقيدة المعلنة والرد المكتوم

بعد جهود كبيرة من البحث عن طرق إرغام حزب الله على عدم استخدام السلاح أو رميه، خرج قائد المنطقة الشمالية في جيش الاحتلال قبل عام ليتحدث عما سمّاه «عقيدة الضاحية». كان يشرح بإسهاب وزهو، أن جيشه سوف يعمد إلى تسوية القرى والمدن بالأرض إذا خرجت منها نار في اتجاه إسرائيل. كان يكرر الإشارة إلى العنف اللامتكافئ، وإلى أن إسرائيل لن تتصرف كما فعلت في عام 2006. وهم حاولوا استخدام الحرب على غزة، ليتحدثوا عن قصف في الجنوب مطلوب أن يسمع صوت انفجاراته في الشمال. وهم يكثرون في الآونة الأخيرة من التهديد بأن أي حرب مقبلة سوف لا تقف إسرائيل عند أي خط أحمر يخص الحكومة أو البنى التحتية اللبنانية، وثمة دراسات ومناقشات كثيرة انتهت إلى توصية الجيش والحكومة بمعاقبة كل لبنان كي يشعر حزب الله بالألم.
رد حزب الله اقتصر على مواقف للسيد حسن نصر الله، الذي قال إن لدى الحزب صواريخ تصل إلى أي مكان على امتداد مساحة فلسطين المحتلة. وكانت ذروة رسائله في أن التعرض لبيروت أو الضاحية يعني وضع تل أبيب في دائرة الهدف. وهو الأمر الذي تتعامل معه إسرائيل بجدية بالغة، لكنها لا تريد وضعه بنداً على جدول أعمالها الداخلية، لأن عدم وجود علاج لخطر كهذا يعني دفع الجمهور إلى الإحباط والتفكير منذ الآن في سبل الخروج من هذه المنطقة.
وإذا كانت إسرائيل تتحدث بلسان قادتها السياسيين والعسكريين عن أن حزب الله بات اليوم يملك أكثر من أربعين ألف صاروخ، وأنه طوّر ترسانته 3 مرات عما كانت عليه في عام 2006، فإن السيد نصر الله لم يعلق بصورة علنية على هذا الأمر بعد، لكنه قال في لقائه غير المعلن مع المغتربين قبل مدة إن الحزب ضاعف قوته أكثر من 3 مرات، ولا مجال لاختبار ذلك إلا في حال الحرب.
أما واقع الحال، فهو لحظة تخيل لاندلاع المواجهة. بمعزل عن عنصر الابتداء فيها، من قرر وفي أي توقيت ولأي هدف سياسي أو عسكري. لكن الحرب وقعت. وعلى الناس التعايش مع واقع عسكري أليم. في لبنان الكل ينتظر امتلاء سماء لبنان بعشرات الطائرات الحربية الإسرائيلية التي تقوم بعمليات قصف لأهداف متنوعة، مدنية أو ما تفترضه عسكرية، تدمّر ما طالت يدها وتخرب وتدفع الجمهور إلى اليأس بغية إخراجه من موقع المؤيد أو الصامت عما تقوم به المقاومة إلى موقع المعترض أو الراغب في توقف إطلاق النار، وعندها، يفترض الإسرائيليون ويأملون أن الناس سيتحولون إلى الضغط على المقاومة ودفعها إلى الاستسلام.

لكن ماذا عن المشهد المقابل؟

ليس أكيداً ولا منطقياً أن تعيد المقاومة تكرار السيناريو السابق. وهي في كل الأحوال، لم يحصل أن أعادت مرة أسلوباً سبق أن استخدمته. لكن ما هو في طور التأكيد، أن المقاومة سوف تبدأ الحرب من المكان الذي انتهت فيه في عام 2006، ومن العنف والقسوة اللذين لمسهما العدو في الأيام الأخيرة. وتالياً، إن على الإسرائيليين توقع أن يكون رد المقاومة منذ اليوم الأول، على شكل شتاء من الصواريخ، لا يتوقف طوال الليل والنهار، ويصيب كل هدف اختير بعناية أو يضرب حيث تقرر أن يكون القصف عشوائياً. ومن الأفضل التخيل أن مجموع ما قصفته المقاومة خلال حرب تموز (بين أربعة وخمسة آلاف صاروخ) قد يعبر الأجواء خلال وقت أقل بكثير جداً جداً من الأيام الـ33 التي استغرقتها الحرب الماضية. وأن القدرة على تحقيق إصابات دقيقة باتت مكتملة، كما هي الحال بالنسبة إلى بنك الأهداف العسكرية أو العامة أو الاستراتيجية، تلك الأهداف التي لا تنضب في ساعات قليلة كما هي حال العدو الذي أظهرته حرب تموز على هيئة «العجوز الأعمى».

خدعة أضاعت حلوتس ليلة «الوزن النوعي»

حتى اليوم، ما زال في إسرائيل من يتحدث بإعجاب عما يسمّونه إنجاز سلاح الجو في الليلة الثانية لحرب تموز، حين أغارت الطائرات، خلال وقت قصير على نحو 54 هدفاً عدّتها مراكز السلاح الاستراتيجي. والكل يتذكر دان حلوتس، رئيس الأركان، الذي لم يكن يجد ضرورة لأي سلاح غير الجو، كيف احتفل بالنصر، قائلاً لرئيسه إيهود أولمرت: أنوقف الحرب وقد انتصرنا، لقد دمرنا مخزونهم من الصواريخ البعيدة المدى، وصرنا في مأمن!
ذات مرة، في مقابلة مع قناة «الجزيرة» قال السيد نصر الله إن ما قصفته إسرائيل في تلك الليلة لم يكن ما تحدثت عنه. وأوقف الكلام، ربما أعطى يومها الإشارة أو مرر رسالة إلى لجان التحقيق في إسرائيل لكي تدقق أكثر في إعلان قيادة الأركان وقيادة سلاح الجو بأنها أنجزت عملية كبيرة في تلك الليلة، علما بأنه لم يمر وقت طويل حتى انهالت الصواريخ على حيفا وشمالها، وصولاً إلى الخضيرة والعفولة. يومها، صار جميع قادة العدو ينظرون بأسى إلى حلوتس وهو يقرّ رغماً عنه خطة للتدخل البري تعويضاً عن فشل فرقة ـــــ درة التاج ـــــ في الجيش الإسرائيلي وهي سلاح الجو في حسم المعركة.
قد يمر وقت طويل، ولا أحد يكشف سر تلك الليلة، أو ربما لن تكون هناك مصلحة لدى المقاومة في الكشف عن «السر العظيم»، الذي كان خلف أكبر عملية خداع أمنية تعرضت لها إسرائيل على مدى سنوات طويلة قبل أن تقع في الفخ وتعتقد واهمة أنها أصابت البنية الصاروخية الأساسية للمقاومة. كذلك، سيمر وقت قبل أن يعرف الجميع، من أصدقاء المقاومة وأعدائها، تاريخ وصول أول الصواريخ الاستراتيجية إلى أيدي المقاومين.
أما عن العمل الاستخباري الضروري لمواجهة التجسس الإسرائيلي، فقد سبق لألستير كروك ومارك بيري أن كتبا تحت عنوان «كيف هزم حزب الله إسرائيل» أنه «بين عامي 2000 و 2006 أتقن حزب الله، على ما يبدو، الفنّ الدقيق لاستخبارات الإشارة المضادة (C-SIGNET). وهي قدرة قد تدفع أسهماً ضخمة في الحروب المستقبلية مع إسرائيل. ففي ميدان الاستخبارات البشرية، أثبت حزب الله أيضاً مقدرة ناجحة جداً. واستطاع حزب الله العمل على عملاء إسرائيليين في جنوب لبنان وتفكيك حلقة تجسس إسرائيلية كبيرة. وفي بعض الحالات المهمة، كان في مقدور المسؤولين الكبار في استخبارات حزب الله مدّ إسرائيل بمعلومات خاطئة عن المواقع الأكثر أهمية، فكانت المحصلة امتلاء بنك الأهداف الإسرائيلي بمواقع رئيسية لم تكن، في الواقع، موجودة».

لم تكن الصدمة تقتصر على هذا الجانب، بل إن البلاغات العسكرية الإسرائيلية عن الإصابات المحققة في صفوف المقاومة، كانت تستند إلى معايير تقليدية في الاحتساب: لقد قامت الطائرة كذا بتنفيذ مهمة في النقطة كذا ودمرت هدفاً محدداً وأزالت منصة لإطلاق الصواريخ، ما يمنع على العدو استخدامها من جديد، وسقط هذا العدد أو ذاك من المقاتلين في هذه العملية.
مر وقت غير طويل، حتى اكتشف الإسرائيليون آلية عمل المقاومين في الوحدة الصاروخية. كيف كانت المخازن وأين، وكيف كان يتم تحديد الأهداف ومن يصدر الأوامر وكيف يتم التنفيذ، واستند العدو لاحقاً إلى نشرات غربية وعربية في معرض استكمال الصورة التي تسنى له الحصول على أجزاء منها خلال الأيام الأخيرة من الحرب.
كان لدى المقاومة المنصات الأحادية، أو تلك التي تعمل لمرة واحدة وفقط، وكان لمثل هذه المنصات الفعل الكبير، واستخدمت المقاومة المئات منها في هذه الحرب. ولم تكن هذه الآلية تتطلب عملاً خاصاً إضافياً في لحظة المواجهة. قبل اندلاع الحرب، كانت المنصات جاهزة، وعندما كان قادة المقاومة يتحدثون عن الجهوزية، كانوا يعرفون أن هذه الأسلحة جاهزة للعمل فوراً، ولا تحتاج إلا إلى إذن. وهو ما حصل خلال الحرب. كل قطاع له من يديره، وكل قوة متخصصة في القصف الصاروخي تعرف ما الذي لديها، وتعرف لائحة الأهداف الموكل إليها إصابتها، ولم يكن ينقص هؤلاء المقاومين سوى تلقي اتصال لا يمكن العدو تعقّبه أو اعتراضه، وفيه رسالة مشفّرة، يفهمها المرسل والمتلقي، وما هي إلا ثوان حتى تكون المنصة جاهزة للانطلاق. وقبل بدء الصواريخ رحلتها، يكون المقاوم أو المقاومون قد عادوا إلى بيوتهم الصغيرة المختفية في باطن الأرض أو فوقها. ويتسنى لهم أحياناً، مراقبة الغبار المنبعث بسبب انطلاق الصواريخ أو الغبار الذي تتركه الغارة الإسرائيلية على بقايا تنك لم يعد يصلح أصلاً لشيء.

هل تملك المقاومة فاتح 110؟


يُشغَل قادة العدو وأمنيّوه وعسكريوه وصحافيوه ومدنيوه بمحاولة معرفة حجم القوة الصاروخية الموجودة الآن في حوزة المقاومة ونوعيتها. وهم يضيفون إلى ما أعلنوه بعد حرب تموز وجود أنواع أخرى متقدمة، وقوة تدميرية أكبر مع قدرة على الإصابة بدقة أكبر. وهم يشيرون إلى الصواريخ التي تستخدم لقصف الأهداف البرية، إلى جانب الأسئلة القلقة عن مخرون المقاومة من الأسلحة المضادة للدروع والطائرات والسفن الحربية.
وقبل أيام كتب ألكس فيشمان أن هناك في «جنوب لبنان صواريخ تغطي منطقة غوش دان كلها: صواريخ فجر 3 وفجر 5، التي يصل مداها من 70 إلى 150 كيلومتراً وصواريخ 302 مليمتر لمدى 220 كيلومتراً وآلاف الصواريخ القصيرة المدى حتى 40 كيلومتراً. وشمالي الليطاني توجد صواريخ من طراز «زلزال» التي يفترض بها أن تشغل إسرائيل على المدى بين تل أبيب وديمونا. وبين المواقع تنتشر مناطق مفتوحة يجب على قوات الجيش الإسرائيلي أن تجتازها. وهناك سيصطدمون بمحميات طبيعية من نوع آخر يقيم فيها مئات من أعضاء القوات الخاصة في حزب الله المزودة بالصواريخ المضادة للدبابات الطويلة المدى، مثل الكورنيت والعبوات الناسفة والفخاخ».
وفي إحدى المراجعات، كتب خبير إسرائيلي عن عملية إطلاق الصواريخ الآتي: «أنشأ حزب الله نظاماً بسيطاً، لكنه فعال لإطلاق صواريخ الكاتيوشا. حين تعلن عمليات المراقبة خلوّ المنطقة من الطائرات الإسرائيلية، تتحرك مجموعة إلى موقع الإطلاق وتجهز المنصة ثم تغادر بسرعة. تأتي مجموعة ثانية لتنقل الصاروخ إلى موقع الإطلاق ثم تفر فوراً. بعدها، تأتي فرقة ثالثة صغيرة إلى الموقع وتجهز الصاروخ للإطلاق، غالباً باستخدام آليات تحكّم عن بعد أو أجهزة توقيت. العملية بأكملها تستغرق أقل من 28 ثانية، نسبة لكثرة الفرق الصاروخية التي تقود الدراجات النارية إلى موقع الإطلاق. وهناك وحدة صاروخية ثانية تمتلك صواريخ فجر المتوسطة المدى وصواريخ الكاتيوشا المعدلة التي وضعت جنوبي الليطاني وشماليه. معظم هذه الصواريخ، إن لم يكن كلها، تُطلق من على منصات متحركة. في المنطقة المحصورة بين نهر الليطاني وبيروت. أضاف حزب الله وحدتين للصواريخ البعيدة المدى، كزلزال 2، 610 ملم وغيره من أنظمة الصواريخ البعيدة.



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق