السبت، 7 سبتمبر 2013

لماذا اجلت الولايات المتحدة ضربتها العسكرية؟...د.عامر السبايلة

حالة كبيرة من الغموض أثارها الموقف الأمريكي المتراجع عن تنفيذ تهديداته بالهجوم على سوريا. كثير من القراءات حاولت الوقوف على الأسباب التي فرضت حالة التريث هذه على الادارة الأمريكية. لكن بغض النظر عن شكل السيناريو الأمريكي المتوقع في سوريا, إلا أن مجرد التلويح بالعمل العسكري من قبل الولايات المتحدة دفع بالأزمة السورية –بلا شك- الى منطقة الحسم.
 
كثير من المراقبين اعتقدوا ان الولايات المتحدة كانت جادة فعلاً في خوض سيناريو الحرب الخاطفة أو الضربة القاصمة. حيث أشارت حالة التصعيد الاعلامي و العسكري الى نية أمريكية حقيقية لفرض التغيير في موازين القوى في سوريا عبر الهجمات العسكرية. الولايات المتحدة سعت الى تسويق سيناريو الضربة المحدودة و التي تهدف الى اضعاف النظام و تقوية المعارضة. بعض المعلومات أكدت أن الهجوم العسكري يهدف الى اضعاف المؤسسة العسكرية السورية عبر سيناريو استهداف الفرقة الرابعة في الجيش السوري و شقيق الرئيس السوري ماهر الأسد شخصياً. البعض رأى في التسويق الأمريكي لسيناريو الضربة المحدودة محاولة لتجنب أي ردود فعل من قبل النظام السوري و حلفاءه في محاولة واضحة لإبقاء الأزمة السورية داخل حدودها الجغرافية, حيث ان التجارب السابقة مع النظام السوري تشير الى غلبة المدرسة التي تؤمن بفكرة استيعاب الضربة و الصمت عليها. في المقابل, أشارت الكثير من المعلومات ان الولايات المتحدة لا يمكن أن تغامر بإعطاء النظام السوري و حليفه حزب الله –على وجه الخصوص- فرصة الرد على الهجوم, لهذا كان من المتوقع أن تشكل الضربة العسكرية ضربة مدمرة تفقد النظام القدرة على الرد او التعامل مع مرحلة ما بعد الضربة, يتزامن وفقاً لهذا السيناريو عملية تأزيم حزب الله أمنياً في معقله في الضاحية بيروت الجنوبية عبر تفجيرات محكمة و افتعال مواجهة على الحدود الجنوبية للبنان.
 
بين هذه السيناريوهات المتعددة, تقاسم محور أصدقاء سوريا أدوار المواجهة. الدور الروسي كان دبلوماسياً بامتياز, و استطاع اختراق المحور التقليدي لحلفاء أمريكا, و العمل ضمن أروقة مجلس الأمن عبر تسويق العمل العسكري الأمريكي على أنه خرق للقانون الدولي. التلويح بالحرب و التهديد كان من نصيب الحليف الإيراني الذي وضع العنوان الرئيس لمرحلة ما بعد الهجوم الأمريكي بالقول:" تستطيع الولايات المتحدة ان تختار موعد بدء الهجوم, لكنها لا تملك القدرة على إنهاءه.  أما حزب الله فقد أثار صمته حالة من الغموض دفعت الولايات المتحدة للتفكير بخطورة تداعيات مثل هذه الخطوة, فالحزب بدا و كأنه يستعد لمواجهة شاملة قد يدفع فيها الاسرائيليون الثمن الأكبر.عداك عن الرسائل غير المنظورة و الصور التي يحتمل قيام الأقمار الصناعية الأمريكية بالتقاطها في الأيام الأخيرة, الأمر الذي قد يكون له الأثر الأكبر في نسف قدرة الولايات المتحدة على السيطرة على تداعيات الهجوم العسكري. باختصار واجه محور أصدقاء سوريا استراتيجية الولايات المتحدة الهادفة الى حصر الأزمة في سوريا بإستراتيجية المنطقة المفتوحة, و التي تعني ضمناً اشتعال الإقليم بالكامل و اسرائيل على وجه التحديد.
 
هذه الاستراتيجية دفعت حلفاء الولايات المتحدة للبحث عن سياسة خروج آمن من المشهد. ظهرت تجليات هذه السياسة بوضوح في جلسة مجلس العموم البريطاني و الذي رفض طلب رئيس الوزراء ديفيد كاميرون للمشاركة في الهجوم على سوريا. هذا السيناريو البريطاني  قد يشكل حالة استنساخ مستقبلية  تعمم على بقية الحلفاء و حتى على الولايات المتحدة نفسها التي أظهر رئيسها موقفاً مضطرباً بامتياز عندما قال انه قرر ضرب سوريا لكنه في نفس الوقت سيقوم بطلب تفويض من الكونجرس. دخول مسألة الهجوم العسكري في دوامة التعقيدات هذه قد تفضي لاحقاً للوصول الى مرحلة صعوبة التنفيذ.
 
اما الحماسة الزائدة لدى بعض الدول العربية و خصوصاً المملكة العربية السعودية للدفع باتجاه تنفيذ الهجوم العسكري, فلا يمكن تفسيره إلا من باب قناعة أحد  التيارات السعودية بان انعكاسات عدم الدخول في الحرب ستطال رأسه قريباً. هذا ما يفسر الاستنفار الهستيري للخط الصقوري السعودي (بندر بن سلطان و سعود الفيصل) باتجاه تبني خيار الحرب و الرفض القاطع للتسوية. و لعل التاريخ (القريب و البعيد على حد سواء) يشير بوضوح الى انعكاسات فشل هذا التيار السعودي في اسقاط النظام في سوريا على الداخل السعودي. في ثمانينيات القرن الماضي, خاض الرئيس حافظ الأسد حربه مع السعودية تحت مسمى الحرب على الرجعية, و التي اغلقت حقبتها بإعادة انتاج  شعار التضامن العربي. و في الفترة الممتدة ما بين العام 2004-2008 كان لفشل تيار بندر بن سلطان في اسقاط النظام في سوريا و حزب الله في لبنان انعكاسات عليه شخصياً و على تياره في الداخل السعودي, الأمر الذي اضطره الى مغادرة السعودية و حلول الأمير مقرن بن عبد العزيز مكانه و توليه ملف اعادة ترتيب العلاقة مع سوريا. لهذا, فان هذا التيار السعودي يدرك تماماً انه قد يدفع الثمن الأكبر لفشل خطط اسقاط النظام  و بالتالي فان طوق النجاة الوحيد امامه يتمثل بخوض الولايات المتحدة حرباً مباشرة مع النظام في سوريا و إلا فالنموذج القطري المتمثل بانتقال السلطة قد يظهر مجدداً لكن بصورة سعودية. 
 
د.عامر السبايلة

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق