الأربعاء، 7 أكتوبر 2009

انتفاضة ضد التطبيع / بقلم: سيفر بلوتسكر / يديعوت – 7/10/2009

الاحصاءات واضحة ومخيفة: في كل مرة يصل فيها مستوى المعيشة في الضفة الغربية الفلسطينية الى ذروة جديدة، تندلع انتفاضة تعيد دولاب التطور الاقتصادي ثانية الى الوراء، هكذا كان في 1987، هكذا في 2000، وهكذا ... الان ايضا.

أوجه الشبه مقلقة. مرة اخرى، مثلما قبل 22 سنة، وقبل تسع سنوات، الاقتصاد الفلسطيني يجمل فترة نمو مثيرة للانطباع. مرة اخرى، مثلما عشية اندلاع الانتفاضتين السابقتين، تبلغ وسائل الاعلام بتوسع وبفرح عن معجزة اقتصادية في نابلس، في رام الله وفي اريحا. محلات جديدة تفتح، مقاهي مليئة، بطالة تنخفض. ومرة اخرى الرأي العام الاسرائيلي يميل الى التصديق بان المشكلة الفلسطينية بلغت حلها في الواقع القائم. فما الذي يمكن للفلسطينيين ان يتطلعوا اليه اكثر حين يكون لديهم حكم ذاتي متقدم ومستوى معيشة منطلق؟

ولتذكيرنا: في نهاية آب اللهاب، للعام 2000 أمّ عشرات الاف الاسرائيليين محلات الاثاث والادوات المنزلية في ضواحي قلقيليا ووقفوا في الطوابير الطويلة للباصات مباشرة من جنوب تل أبيب الى الكازينو في اريحا. حسب معطيات صندوق النقد الدولي، ارتفع الدخل للفرد في مناطق السلطة الفلسطينية في اعوام 1995 – 2000 بوتيرة 8 حتى 10 في المائة في السنة. ورغم السلام الاقتصادي الرائع هذا كان يكفي اشتعال استفزازي هامشي وضئيل لاشعال الانتفاضة والارهاب، اللذين دهورا مستوى المعيشة الفلسطينية لجيل كامل الى الوراء واحدثا اضرارا بالاقتصاد الاسرائيلي. الكازينو في اريحا يقف على حاله، فارغا ومهجورا، كدليل حي على فشل المحاولة لاستباق التطبيق الاقتصادي على التسوية السياسية .


الايمان المادي بقدرة الازدهار الاقتصادي (الجزئي) على اسكات التطلعات الوطنية، مهما كانت هذه غير واضحة وغير محددة، كان ينبغي ان يتحطم الى شظايا قبل تسع سنوات. ولكن يتبين ان لا. نتنياهو، ليبرمان وباراك يشتركون اليوم في الرأي القائل: للفلسطينيين يوجد منذ الان حكم ذاتي سياسي واسع – والان ايضا أمني – يحققون فيه عمليا معظم طموحاتهم الوطنية وتطلعاتهم للسيادة. هذه "شبه دولة"، يوجد فيها سلطة تشريعية، سلطة قضائية، شرطة، جيش، انتخابات ديمقراطية، منظومات مدنية، حكومة فلسطين يمكنها، اذا ارادت ذلك جدا، ان تتلقى تمثيلا في مؤسسات اقتصادية دولية؛ اسرائيل لن تعارض ذلك مثلما لم تعارض مزيدا من علائم الاستقلال و السيادة .


حسب رؤية رئيس الوزراء نتنياهو، المتعارضة جوهريا مع مواقف شارون واولمرت قبله، فان المفاوضات على التسوية الدائمة لا تتم الا من خلال قوة المثابرة الدبلوماسية: النزاع الاسرائيلي – الفلسطيني حل وسوي في سواده الاعظم، وما تبقى من خلاف يمكن بالتأكيد ان ينتظر الاجيال التالية: اسرائيل ملزمة بان تساعد الفلسطينيين في تنمية اقتصاد السوق الحرة وتشجيع الاستثمارات الاجنبية. هذه مهمتنا في المنطقة ولا يوجد غيرها. التطبيع الاقتصادي، المسمى "سلام اقتصادي" سيلبي كل شيء.


ربما نعم، ولكن من المعقول الافتراض أن لا. التطبيع الاقتصادي يهدد الاسس الثورية الراديكالية في المجتمع الفلسطيني، وهؤلاء اقسموا على الا يدعوها تترسخ: فهي تعتبر وتفسر من قبلهم كتسليم غير مباشر بالاحتلال. حركة تحرير وطنية، فما بالك وطنية – دينية، تندثر وتتفتت عندما تخرج الجماهير الى المشتريات وليس الى المظاهرات.


تعزز الطبقة الوسطى الفلسطينية، الكفيلة بان تعشق نمط الحياة المنتظم، وتتنكر لاستمرار الكفاح وتتمتع بقربها من السوق الاسرائيلية الكبرى هو بالتالي ضرر في نظر الزعامات الكفاحية. وليس فقط الكفاحية: التوتر بين التقدم الاقتصادي والشخصي وبين المأزق السياسي والوطني يمزق المجتمع الفلسطيني بأسره. يخلق فجوة في الوعي تبحث لها عن متنفس.

الانتفاضة التالية - اذا ما اندلعت – من شأنها ان تتركز في الحرم، ولكن منطقها لا يرتبط حقا بالمشاعر الدينية. مثلما في المرات السابقة، مصدرها سيكون في الخليط المتفجر للجمود السياسي والازدهار الاقتصادي. الاثنان، كما يتبين، لا يسيران جيدا

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق