الثلاثاء، 30 أكتوبر 2012

هذه ليست ثورة .....حسين آغا, روبرت مالي

كله كذب وهزل

لكنّ كلاً منا يسمع ما يرغب فيه فقط

ويتجاهل الباقي

بول سايمون



يخيّم الظلام على العالم العربي، شيئاً فشيئاً. ضياع، موت، ودمار، تواكب جميعها المعركة من أجل حياة أفضل. تتنافس أطراف خارجية على النفوذ وعلى تصفية حسابات. التظاهرات السلمية التي بدأ كلّ شيء معها، والقيم الرفيعة التي ألهمتها، تكاد تصبح ذكريات بعيدة. الانتخابات هي مناسبات احتفالية تكون فيها الرؤى السياسية مجرد فكرة تأتي بعد الحدث. البرنامج المتماسك الوحيد هو ديني مسكون بالماضي. ينطلق صراع محموم وغير منتظم من أجل السلطة، من دون قواعد وقيم أو نهايات واضحة.



لن يتوقف الأمر مع تغيير النظام أو استمراره. التاريخ لا يتقدم الى الأمام، بل يتحرك جانبياً.

ألاعيب داخل لعب: معارك ضد الأنظمة الاستبدادية، صدام مذهبي سني ــ شيعي، صراع إقليمي على النفوذ، وحرب باردة جديدة. الأمم تتقسم، الأقليات تستيقظ وترى فرصة للتخلص من القيود التي تفرضها عليها الدولة. الصورة ضبابية جداً. هذه ليست إلا أجزاءً من مشهد لا يزال يتكوّن، مع لمحات مشوشة من وجهته النهائية. التغييرات التي يعتقد اليوم أنّها أساسية، يمكن أن تعدّ مستقبلاً مجرد تفاصيل في رحلة طويلة.

فاعلون جدد، او ممّن استعادوا نشاطهم في الفترة الأخيرة يتسارعون لتبوء الصدارة: «الشارع» المبهم المستعد للتحشيد بالسرعة نفسها التي يتفكك بها. المتظاهرون الشباب، من كانوا ناشطين بارزين خلال الانتفاضة وانتهوا مجرد ضحايا جانبيين في أعقابها. الإخوان المسلمون الذين كانوا البارحة يُرفضون من قبل الغرب كمتطرفين خطرين، يُحتفى بهم اليوم بوصفهم براغماتيين مقبولين و عقلانيين يدارون مصالحهم كرجال الأعمال. السلفيون، التقليديون أكثر من الإخوان، كانوا في الماضي رافضين كل أشكال السياسة، وأصبحوا الآن متحمسين للمنافسة في الانتخابات. كما توجد مجموعات مسلحة تعمل في الظل، وميليشيات ذات ولاءات مريبة وتمويل مجهول، وكذلك عصابات ومجرمون، وقطّاع طرق وخاطفون.

التحالفات انقلبت رأساً على عقب، وتتحدى كلّ منطق، مألوفة ومتغيّرة. أنظمة دينية تدعم علمانيين؛ دكتاتوريات تروج للديموقراطية؛ تحالفات أميركية مع إسلاميين؛ إسلاميون يساندون التدخل العسكري الغربي. ينحاز قوميون عرب إلى أنظمة لطالما حاربوها؛ ينحاز ليبراليون لإسلاميين ثم يتقاتلون معهم. تدعم المملكة العربية السعودية علمانيين في وجه الإخوان المسلمين، وسلفيين في وجه علمانيين. تتحالف الولايات المتحدة مع العراق، الذي يتحالف مع إيران، التي تساند النظام السوري، الذي تأمل الولايات المتحدة إطاحته، كما تتحالف الولايات المتحدة مع قطر، التي تمول حماس، وتتحالف مع السعودية التي تمول السلفيين، الذين يلهمون الجهاديين الذين يقتلون الاميركيين أينما استطاعوا.

في زمن قياسي، انتقلت تركيا من صفر مشاكل مع جوارها الى لا شيء إلا مشاكل معهم كلهم. نفّرت ايران، وأغضبت العراق، وتشاجرت مع اسرائيل. هي تقريباً في حرب مع سوريا ومواجهة دبلوماسية مع روسيا. اصبح اكراد العراق اليوم حلفاء لأنقرة، في الوقت الذي تشن فيه حرباً ضد الأكراد لديها، رغم أنّ سياساتها في العراق وسوريا تزيد من جرأة الميول الانفصالية في تركيا نفسها.

لسنوات، اختلفت إيران مع الأنظمة العربية، وبنت علاقات مع الإسلاميين الذين اعتقدت أنّ نظرتهم الدينية قد تمثّل قضية مشتركة معها. حالما وصلوا الى الحكم، سعى الإسلاميون إلى تطمين أعدائهم السابقين، في السعودية والغرب، ووضعوا مسافات بينهم وبين طهران، رغم محاولة إيران التقرب منهم. سيضطر النظام الإيراني إلى تنويع تحالفاته، ومد يده إلى غير الإسلاميين الذين تخلى عنهم النظام الناشئ، وروّعتهم الشراكة الحديثة بين الإسلاميين والولايات المتحدة. لدى ايران خبرة في هذا المجال: في العقود الثلاثة الماضية، تحالفت مع سوريا العلمانية، في الوقت الذي كانت فيه دمشق تقمع إسلامييها.

حين تلتقي الأهداف، تختلف الدوافع. تعاونت الولايات المتحدة مع الملكيات والمشيخات العربية في الخليج لإطاحة القذافي امس، واليوم مع معارضة الاسد. تقول إنّها يجب أن تكون على الجانب الصحيح من التاريخ، لكن تلك الانظمة لا تحترم في بلادها الحقوق التي تدعي أنها تسعى جاهدة إلى تحقيقها في الخارج. هدفها ليس الديموقراطية او المجتمعات الحرة. هي منخرطة في صراع من أجل الهيمنة الإقليمية. ماذا يجد المشاركون في الانتفاضات الديموقراطية المحلية غير الثروة في الدول التي يتعارض نظامها مع المشاريع الديموقراطية التي يدعون الترويج لها؟

يعتمد نظام التحالفات الجديد على العديد من الفرضيات الخاطئة، ويخفي الكثير من التناقضات العميقة. ليس هذا نظاماً صحياً، لأنّه لا يمكنه ان يكون حقيقياً. هناك أمر شائب. هناك ما هو غير طبيعي. لا يمكن الموضوع ان ينتهي على ما يرام.





■ ■ ■



الحرب الإعلامية التي بدأت في مصر تصل الى ذروتها في سوريا. يعرض كل طرف وجهة نظره فقط، ويضاعف الأرقام ويتناسى كل ما عدا ذلك. في البحرين، العكس صحيح. مهما ازداد عدد المتظاهرين ضد النظام، قلة يلاحظون ذلك. لا يجري تسجيل ذلك في الوعي. قبل وقت غير بعيد، كانت الصور الإخبارية من ليبيا تمجد مجموعات المقاتلين، بعصابات رؤوسهم الملونة واللافتة للأنظار، وبكلامهم عن النصر الأكيد، فيما كانت المعارك الدموية الحقيقية تشن من السماء، ضحاياها غير مرئيين، وتخاض بعيداً عن عيون الإعلام.

تتجمع الحشود في ميدان التحرير. تركز الكاميرات على المتظاهرين، لكن، ماذا عن الملايين غير المرئيين الذين بقوا في منازلهم؟ هل فرحوا بإطاحة النظام القديم، ام تحسروا بصمت على رحيله؟ كيف يشعر المصريون حيال الفوضى وعدم الاستقرار والانهيار الاقتصادي والغموض السياسي الحالي؟ في الانتخابات التي تلت رحيل مبارك، لم يصوّت خمسون في المئة من الناخبين. من بين الذين انتخبوا، اختار النصف ممثلي النظام القديم. من سيهتم بالذين يقفون على الجانب الآخر من الجانب الصحيح من التاريخ؟

أكثرية السوريين لا يقاتلون، لا دفاعاً عن النظام أو مساندة للمعارضة. هم الطرف الذي يتلقى الضربات في قلب مواجهة عنيفة، لا أحد ينتبه لآمالهم، أصواتهم غير مسموعة، وأقدارهم منسية. اصبحت الكاميرا جزءاً اساسياً من حالة عدم الاستقرار، أداة في التحشيد والبروباغندا، والتحريض. الميزان العسكري في مصلحة النظام القديم. في معظم الأحيان، يجري التعويض عن ذلك على نحو أكبر بسبب انحياز ميزان الإعلام الى القوى الجديدة. النظام الليبي القديم كان يعتمد على خطابات القذافي الغريبة العجيبة، وسوريا الأسد تعتمد على إعلام رسمي فاقد الصدقية. بالكاد يمكن اعتبار ما يحصل منافسة متوازية. في المعركة من اجل التعاطف الشعبي، في عصر «غسيل الأخبار»، لا تتمتع الأنظمة القديمة بأي فرصة للانتصار في معركة الإعلام.

في تونس ومصر واليمن وليبيا وسوريا والبحرين، لم تبرز اي شخصية قيادية توحد الناس، ذات قدرة على فتح طريق جديد. هناك نقص في القيادة. حيث توجد قيادة، تكون عادة قيادة بواسطة لجان. في الأماكن التي تكون فيها لجان كهذه، تبرز على نحو غامض لتتولى سلطة لم يمنحها إياها احد. في معظم الأحيان، تُمنح الشرعية من الخارج: يؤمّن الغرب الاحترام والظهور، دول الخليج العربية الموارد والمساندة، والمنظمات الدولية الصدقية والعون.

يفتقد من في موقع المسؤولية في احيان كثيرة القوة، التي تأتي من دعم كتلة جماهيرية محلية وفية. هم يحتاجون إلى استحسان الخارج، وبالتالي يجب عليهم أن يكونوا حذرين، وأن يعدلوا من مواقفهم، من أجل الحصول على قبول القوى الأجنبية. لم يكن القادة الثوريون القدماء يهتمون كثيراً بتلك الأمور. فبصرف النظر عن صحة أو عدم صحة موقفهم، كانوا مستقلين على نحو صلب، يفتخرون بصدهم التدخل الاجنبي.

مثل الحكام الذين أسهموا في إطاحتهم، يمالئ الإسلاميون الغرب. ومثل من سبقوهم، ممن كانوا يستخدمون الإسلاميين كفزاعة لإبقاء الغرب الى جانبهم، يلوّح الإخوان المسلمون بشبح من سيأتي إذا فشلوا: السلفيون الذين من جهتهم، ومثلهم مثل الإخوان المسلمين في الأيام الخوالي، منقسمون بين ولائهم لمعتقداتهم واغراء السلطة.

هي لعبة «الكراسي الموسيقية». في مصر، يلعب السلفيون دوراً كان للإخوان المسلمين، وهؤلاء يلعبون دوراً كان لنظام مبارك. في فلسطين، الجهاد الإسلامي هي حماس الجديدة، تُطلق الصواريخ لإحراج حكام غزة. أما حماس، فهي فتح الجديدة. تدعّي أنّها تنظيم مقاوم، وفي الوقت نفسه تنقضّ على كل من يتجرأ على المقاومة. في المقابل، فتح هي نسخة عن الأنظمة الاستبدادية التي كانت تنتقدها في الماضي. متى سنصل الى اليوم الذي يقدم فيه السلفيون أنفسهم إلى العالم على أنّهم البديل المفضل عن الجهاديين؟





■ ■ ■



السياسة المصرية محشورة بين الإخوان المسلمين المنتشين بالنصر، السلفيين الأكثر تشدداً، غير الإسلاميين القلقين، وفلول النظام القديم، فيما يحاول الإخوان التوصل إلى اتفاق مع البقية، يبدو المستقبل السياسي ضبابياً. السرعة واللباقة اللتان من خلالهما أحال الرئيس الجديد محمد مرسي القادة العسكريين القدامى على التقاعد، او همشهم، والهدوء الذي قوبلت به هذه الخطوة، توحي جميعها بأنّ ثقة الإسلاميين بأنفسهم تعاظمت، وأنّهم مستعدون للعمل بسرعة أكبر.

في تونس الحكاية مختلفة. كانت الفترة الانتقالية سلمية على نحو كبير. حزب النهضة الذي ربح انتخابات تشرين الأول / أكتوبر الماضي، يقدم وجهاً براغماتياً ومعتدلاً عن الإسلاموية. لكن جهوده لتعزيز سلطته هي مصدر توتر. عدم الثقة بين الإسلاميين والعلمانيين يكبر، وفي بعض الأحيان الاحتجاجات ذات الطابع الاجتماعي ـــ الاقتصادي عنيفة. يقف السلفيون في الكواليس، ويهاجمون رموز المجتمع الحديث، وحرية الرأي والمساواة بين الجنسين.

في اليمن، خرج الرئيس السابق علي عبد الله صالح من السلطة، لكنه لم يختفِ عن المسرح. ببطء، تتشكل حرب في الشمال، واخرى في الجنوب. يستعرض الجهاديون عضلاتهم، ولا يستطيع الثوار الشباب الذين حلموا بالتغيير الشامل سوى المشاهدة عن بعد، فيما الفصائل نفسها من النظام القديم تعيد ترتيب أوراق اللعب. يقوم السعوديون، والقطريون، والإيرانيون كل برعاية قوى قريبة منهم. قد تتطور الاشتباكات الصغيرة لتصبح مواجهات كبيرة. في هذا الوقت، تقتنص الطائرات الأميركية من دون طيار عناصر القاعدة، وكل من يصادف أن يكون في جوارهم.

يوماً بعد يوم، تتخذ الحرب الأهلية في سوريا شكلاً مذهبياً اكثر بشاعة. اصبحت البلاد مسرحاً لحرب بالوكالة. المعارضة تشكيلة غير متناسقة من إخوان مسلمين، سلفيين، متظاهرين سلميين، ناشطين مسلحين، بعض الأكراد، جنود منشقين، افراد عشائر، ومقاتلين أجانب. لا يتوانى كل من النظام والمعارضة عن القيام بأي شيء سعياً إلى الانتصار. تنهار الدولة والمجتمع وحضارة قديمة، ويبتلع الصراع المنطقة. المعركة في سوريا هي ايضاً معركة من اجل العراق. لم تتقبل الدول العربية السنية خسارة بغداد للشيعة، وفي رأيهم ايضاً للإيرانيين الصفويين. سيطرة السنّة على سوريا ستعيد إحياء حظوظ نظرائهم في العراق. يتشجع العراقيون السنة المتشددون، فيما تعود الحياة إلى تنظيم «القاعدة» في بلاد الرافدين. سينضم الى حرب استعادة العراق جيران هذا البلد. المنطقة قلقة حول سوريا، لكنها مهووسة بالعراق. العراق هو درة التاج.

ينتظر الإسلاميون في المنطقة نتيجة الصراع في سوريا. لا يتمنون قضم اكثر مما يستطيعون مضغه. اذا كان الصبر هو مبدأ الإسلاميين الأول، فإنّ تعزيز الأرباح ثانيها. اذا سقطت سوريا بيدهم، فسيكون الاردن تالياً. هناك في الأردن، الوضع الديموغرافي الدقيق ــ اغلبية فلسطينية تحكمها أقلية شرق اردنية ــ كان نعمة للنظام. تحمل الجماعتان احقاداً دفينة تجاه الحكام الهاشميين، لكن عدم الثقة بينهما اكبر من هذا الحقد. قد يتغيّر ذلك في وجه قوة الإسلام الموحّدة، التي بنظرها يمثّل العراق، نظرياً على الأقل، اهمية صغرى.

قد تلحق بهذه البلدان كيانات اضعف. في شمال لبنان، تساند المجموعات الإسلامية والسلفية المعارضة السورية على نحو علني. لهؤلاء قواسم مشتركة اكثر مع هذه المعارضة، من التي تجمعهم مع اللبنانيين الشيعة والمسيحيين. لكونه كياناً هشاً منذ بدايته، تتجاذب لبنان اتجاهات متنافسة: قد ينظر البعض بحسد الى سوريا جديدة يسيطر عليها السنّة، وربما مع رغبة في الانضمام اليها. غيرهم قد يخافون منها ويصابون بالقنوط.

في البحرين، ملكية سنية مصممة على الاحتفاظ بالسلطة والامتيازات، تقمع الأغلبية الشيعية. ساعدت السعودية ودول الخليج الأخرى حليفها البحريني. الغرب الذي يصم صراخه الآذان في امكنة اخرى من العالم، صامت. حين حصلت الانتخابات في ليبيا، لم تكن نتائج الإسلاميين جيدة؛ ومنافسوهم اعتقدوا أنّهم استطاعوا أخيراً تحقيق نصرهم الوحيد، لكن في بلد لا تاريخ لديه في الانفتاح السياسي، يُفتقد وجود دولة بالمعنى المتعارف عليه، ومتخم بالميليشيات المسلحة التي غالباً ما تشارك في صراعات قاتلة بعضها مع بعض. أما في السعودية، فالقيادة الهرمة تتصارع مع تغيير يلوح في الأفق، تعيش في خوف من ايران، ومن بعض الشعب السعودي نفسه، وتصرف المال لإبعاد خطر عدم الرضى الشعبي. إلى متى يمكن استمرار كل ذلك؟





■ ■ ■



في بعض الدول، ستطاح الأنظمة، في بعضها الآخر ستستمر الأنظمة القديمة. من المستبعد أن تكون القوى التي هزمت قد سحقت. ستتجمع من جديد وتحاول العودة. لا يبدو ميزان القوة واضحاً. لا يعزز النصر بالضرورة من قوة المنتصر. من هم في السلطة يحتلون الدولة، لكن هذه الميزة قد تكون ذات قيمة صغيرة. فالدول العربية التي بطبيعتها ضعيفة وذات شرعية هزيلة، ينظر إليها مواطنوها بعين الشك، بوصفها أجساماً غريبة فرضت على بنى اجتماعية مألوفة ذات جذور عميقة وتاريخ قديم متواصل ـــــ كالعائلة والقبيلة والعشيرة والجماعة الدينية إلخ. لا تتمتع هذه الدول بالقبول ولا بالسلطة التي لدى نظرائهم في أماكن اخرى. حين تندلع الانتفاضات فإنّ قدرة الدول على العمل تضعف على نحو متلازم مع تآكل قوتها على فرض أنفسها.

أن يكون المرء في كرسي الحكم لا يعني ممارسة الحكم. في لبنان، كان تكتل 14 آذار، القريب من الغرب قوياً حين كان في المعارضة، لكنه خسر قوته تدريجياً بعدما ألّف حكومة في 2005. حزب الله في موقف دفاعي وسلطة معنوية اقل منذ أن اصبح القوة الأهم خلف الحكومة الحالية. كل من هم خارج السلطة يواجهون قيوداً اقل. يتمتعون بترف انتقاد فشل الحكام، والحرية التي تأتي مع غياب المسؤولية. في شرق أوسط مخترق وتتنازعه الاقطاب، يتمتعون بسهولة الوصول الى مساندة خارجية جاهزة ومتوافرة.

كون المرء مسؤولاً، ويعمل داخل القنوات الرسمية للدولة، قد يكون معيقاً مثلما قد يمنح قوة. لم يؤثر انسحاب الجيش السوري من لبنان في 2005، في نفوذ دمشق، فهي مارسته على نحو أكثر خفية إثر ذلك، من غير أن يحظى هذا النفوذ بالانتباه الواضح أو يخضع للمحاسبة. غداً، قد نكون امام نمط مماثل في سوريا نفسها. قد يكون سقوط النظام ضربة كبيرة لإيران وحزب الله، لكن يتساءل المرء عن مقدار قوة هذه الضربة. فالاحتمال الأكبر هو أن الوضع في اليوم الذي سيلي هذا الصراع الطويل والعنيف، كالذي تشهده سوريا، سيكون فوضوياً لا مستقراً، وسنجد تدافعاً من اجل السلطة، لا حكومة مركزية قوية. ستسعى القوى المهزومة والمهمشة الى أي مساعدة من اي مصدر، وستبحث عن رعاة اجانب بغض النظر عن هويتهم. إن ايران وحزب الله لهما خبرة أكبر من اعدائهما في استغلال الفوضى. من دون الاهتمام بمصالح والالتزام بقيود نظام سوري قوي، سيكون حزب الله وإيران قادرين على التحرك بحرية أكبر.





■ ■ ■



انتصر الإخوان المسلمون. يأتي الرئيس المصري المنتخب حديثاً من صفوفهم. هم يحكمون في تونس. يسيطرون على غزة. ربحوا في المغرب. وقد تأتي ساعتهم أيضاً في سوريا والأردن.

انتصر الإخوان المسلمون: هذه كلمات وازنة، وإلى وقت ليس ببعيد، كان لا يمكن التفكير فيها أو لفظها. لقد استطاع الإخوان ان يصمدوا 80 عاماً تحت الأرض وفي الخنادق. لوحقوا وعُذبوا وقُتلوا وأُجبروا على التسويات والانتظار. الصراع بين الإسلاموية والقومية العربية كان طويلاً ومتعرجاً ودموياً. هل تكون النهاية قريبة؟

لقد أوقفت الحرب العالمية الأولى وما تبعها من صعود امبريالي اوروبي، اربعة عقود من الحكم العثماني الإسلامي. على نحو متقطع وبدايات متكررة، كان القرن التالي قرن القومية العربية. بالنسبة إلى البعض، كانت هذه الفكرة بضاعة أجنبية، غير طبيعية، غير حقيقية، ومستوردة من الغرب ــ اي انحراف يجب تصحيحه. بعدما أُجبروا على تكييف رؤيتهم، اعترف الإسلاميون بحدود الدولة ــ الامة والحكم اللاديني، لكن بقي القادة القوميون وخلفاؤهم المشوهون أهدافاً لحملاتهم.

العام الماضي، ساعد الإسلاميون على إطاحة رؤساء تونس ومصر، أي الخلفاء الباهتين للقوميين الأصليين، لكن في بال الإسلاميين هم مناوئون اكثر قيمة وخطراً. لقد هاجموا بن علي ومبارك، لكنّ الآباء المؤسسين ـــ الحبيب بورقيبة وجمال عبد الناصر ــ كانوا نصب اعينهم. بهذه الخطوة صحح الإخوان التاريخ، واعادوا إحياء عصر «المسلمون بلا حدود».





■ ■ ■



ماذا سيعني كل ذلك؟ الإسلاميون لا يرغبون في مشاركة السلطة التي وصلوا اليها بأثمان عالية، او تبديد الأرباح التي حصلوا عليها بصبر كبير. عليهم ان يوازنوا، بين قاعدتهم المتململة، مجتمع اكبر قلق ينتمون إليه، ومجتمع دولي متردد. يشدهم من جهة اغراء التقدم بسرعة، ومن جهة ثانية الرغبة في تطمين الآخرين. عموماً، سيفضلون تجنب القمع، وتوعية المجتمع الى طبيعته الإسلامية الكامنة عوض فرضها عليه. سيحاولون فعل كل شيء: الحكم، تفعيل التحولات الاجتماعية تدريجياً، والبقاء صادقين مع انفسهم من دون أن يصبحوا خطراً على البقية.

يقترح الإسلاميون صفقة. مقابل المعونة الاقتصادية والمساندة السياسية، لن يهددوا ما يؤمنون بأنّه صلب مصالح الغرب: الاستقرار الإقليمي، اسرائيل، الحرب على الارهاب، وتدفق موارد الطاقة. لا خطر على الامن الغربي. لا حرب اقتصادية. المواجهة مع الدولة العبرية يمكن ان تنتظر. سيكون التركيز على البناء البطيء والثابت للمجتمعات الإسلامية. قد يعبّر الغرب عن مخاوفه، او حتى عن استنكاره لعمليات التغيير المجتمعية المحلية تلك، لكنه سيتخطى ذلك مثلما تخطى الأصولية المتشددة للسعودية. يعتقد الإسلاميون أنّ المقايضة ستنفع، مقايضة وفق مبدأ: سنهتم بحاجاتكم، لكن دعونا نهتم بحاجاتنا. وفي العودة الى التاريخ، من يستطيع لومهم؟

جرت إطاحة مبارك جزئياً لأنّه اعتُبِر تابعاً للغرب على نحو مفرط، لكن الإسلاميين الذين خلفوه قد يقدمون إلى الغرب صفقة افضل لأنّها اكثر استدامة. يعتقدون انّهم، وبثمن أقل، يستطيعون القيام بما قام به. بعد تخليه عن عباءته القومية، لم يعد لمبارك سوى القليل ليعتمد عليه. اصبح مستبداً عارياً. بالمقارنة، فإنّ الإخوان المسلمين لديهم برنامج أوسع يمكنهم الاعتماد عليه ـ برنامج اخلاقي اجتماعي وثقافي. يشعر الإسلاميون بأنّ تنفيذ قناعاتهم لا يعتمد على أن يكونوا مناهضين للغرب كلياً. يمكن ان يكونوا معتدلين، وأن يقوموا بتمييع الامور وتأجيلها.

على عكس حلفاء الغرب المقربين الذين حل الاسلاميون مكانهم، من الممكن سماع الإسلاميين يدعون إلى تدخل الناتو في ليبيا امس، اليوم في سوريا، واينما يراودهم الأمل في الحكم غداً. فبالإمكان استخدام الكفرة البعيدين الذين لن يبقوا فترة طويلة في المنطقة، للتخلص من الكفرة المحليين، الذين طاردوهم عقوداً. رفض التدخل الاجنبي، الذي كان مطلباً أساسياً في فترة ما بعد الاستقلال، لم يعد اهم مسألة اليوم. يصور الموضوع كأنّه مناهض للثورة.

ما سعت الولايات المتحدة للحصول عليه لعقود من خلال التدخل والفرض، قد تحصل عليه من خلال القبول: قد تحصل على أنظمة عربية لن تتحدى مصالح الغرب. لم يعد غريباً اذاً أن يعتقد الكثيرون في المنطقة أنّ اميركا كانت متورطة في صعود الإسلاميين، وشريكاً صامتاً لكل ما كان يحصل.





■ ■ ■



في كل مكان، تواجه اسرائيل صعود الإسلام، والتشدد، والتطرف. لقد ذهب الحلفاء السابقون، والاعداء السابقون يحكمون اليوم. لكن لدى الإسلاميين اهداف مختلفة وأبعد. يتمنون الترويج لمشروعهم الإسلامي، الذي يعني تمتين حكمهم حيث يستطيعون، والامتناع عن تنفير الغرب، وتجنب صدامات مميتة قبل أوانها مع اسرائيل. في هذه النظرة، وجود الدولة العبرية كان وسيبقى غير مقبول، لكنه على الارجح سيكون القطعة الاخيرة من احجية قد لا يجري جمعها كلياً ابداً. السعي إلى تأسيس دولة فلسطينية مستقلة وسيادية، لم يكن يوماً في قلب المشروع الاسلامي. لدى حماس، الفرع الفلسطيني من الإخوان المسلمين مشاريع اكبر وغير محصورة داخل حدود معينة، لكنها بعيدة التنفيذ. رغم مفردات حماس، ورغم تطورها السياسي، لم تحد يوماً عن رؤيتها الاساسية، وهي أن الدولة العبرية غير شرعية وكل الاراضي في فلسطين التاريخية هي وقف اسلامي. اذا لم يكن ميزان القوى الحالي في مصلحتك، فانتظر وقم بما تستطيع لتحسين التفاوت. الباقي تكتيك. المسألة الفلسطينية كانت لمدة طويلة قضية حصرية للحركة الوطنية الفلسطينية. منذ نهاية الثمانينيات، اصبح هدف هذه الحركة المعلن دولة سيادية في الضفة الغربية وغزة والقدس الشرقية. رُفضت سائر البدائل المستقبلية بالكامل، سواء كانت مؤقتة او مرحلية. خطة الإسلاميين قد تكون اكثر طموحاً وجلالاً، لكنها اكثر ليونة. بالنسبة إليهم، الدولة الصغيرة والمبتورة، التي تحيط بها اسرائيل وتعتمد على المساعدات، وتستند الى الاعتراف باسرائيل، وإنهاء الصراع معها، لا تستأهل الكفاح من أجلها.

يمكن للإسلاميين العيش مع مجموعة تدابير مؤقتة: إتفاق مؤقت، هدنة طويلة الأمد، اتحاد محتمل مع الأردن، وانتقال غزة الى سلطة مصر. كل ذلك سيؤدي الى زيادة أسلمة المجتمع الفلسطيني. سيسمح كل ذلك لحماس بالتفرغ لأجندتها الاجتماعية والثقافية والدينية، وهي دعوتها الأصلية. كل ذلك سيمنح حماس الفرصة لإبقاء الصراع مع اسرائيل من دون خوضه فعلياً. لا شيء في ذلك يمس بعقيدة حماس الاصلية. يمكنها أن تضع هدفها النهائي جانباً لبعض الوقت. في احد الأيام، سيحين وقت فلسطين والقدس الشريف، لكن ليس الآن.

في عهد الإسلاموية العربية، قد تجد اسرائيل عناد حماس المزعوم اكثر ليونة من اعتدال فتح الظاهري. تخاف اسرائيل من اليقظة الاسلامية، لكن الخطر الأقرب من هذه اليقظة قد يكون على الحركة الوطنية الفلسطينية. لم يعد هناك اي زخم في مشروع الاستقلال. باقترانه بالسياسات القديمة لقادة عفا عليهم الزمن، يلفظ المشروع نفسه الأخير. لا مكان لفتح ومنظمة التحرير الفلسطينية في العالم الجديد. حل الدولتين ليس الهمّ الأول لأحد. قد ينتهي، لكن ليس بسبب العنف والمستوطنات او دور اميركا غير المهني. قد ينطفئ من عدم الاكتراث.





■ ■ ■



لا يمكن الحديث عن حتمية مرحلة إسلامية تبدأ من حيث توقفت الامبراطورية العثمانية، وتنهي الفترة القومية التي تخللت في ما بين. ازدهر الإخوان حين كانوا في المعارضة لأنّهم بقوا يعملون على نحو سري، وأظهروا صبراً كبيراً، وأمّنوا طاعة داخلية. أسسوا نفوذهم خلال سنوات من العمل والنضال الهادئ. حالما يدخل الإسلاميون في منافسة حول السلطة، تصبح العديد من ميزاتهم بلا فائدة. عليهم التحرك على نحو علني لأنّ السياسة تتطلب شفافية أكبر، وعليهم التأقلم بسرعة لأنّ التغيير يحصل بسرعة، وعليهم العيش مع التنوع داخل صفوفهم، لأنّ النظام أصبح أكثر تعددية.

على الإسلاميين الذين يحكمون في تونس القيام بخيار حيال وضع الإسلام في الدستور الجديد. اذا اختاروا خياراً معتدلاً، فسيُغضبون السلفيين، ويفشلون في تطمين غير الإسلاميين، ويربكون العديد من مناصريهم. يواجه إخوان مصر هجمات من علمانيين بسبب ضخهم الكثير من الدين في الحياة العامة، ومن السلفيين لأنّهم لم يضخوا ما يكفي. ينشق بعض أعضائهم ليذهبوا إلى مجموعات إسلامية اكثر اعتدالاً، او اكثر تشدداً. ولا يقتنع غير الميسورين بتركيز الاخوان على اقتصاد السوق الحر والطبقات الوسطى.

بقدر ما يركّز الخطاب الإسلامي الجديد على الحرية والديموقراطية والانتخابات وحقوق الإنسان، ينال الإسلاميون المديح من الغرب، لكنهم في المقابل ينالون الشك من النقاد. قد تكون تلك كلمات فقط، لكن للكلمات تأثير، إذ يمكنها أن تؤدي إلى تغيير في السياسات، وأن تجعل من الصعب العودة عن الوعود. حينها، يمكن الإخوان ان يصبحوا الحزب الذي يقولون للعالم إنّهم يشكلونه، وعندها ماذا سيبقى من إسلاميتهم؟ او قد تستمر إسلاميتهم كما كانت، وحينها ماذا سيبقى من براغماتيتهم؟ بعدما كانوا تاريخياً مجموعة عابرة للحدود ذات تنظيم عالٍ، لم يعد الإخوان اليوم يتحدثون بخطاب واحد داخل أي بلد أو خارجه. مع اغراء السلطة، اصبح لكل فرع اولويات ومخاوف سياسية مختلفة، واحياناً متنافسة.

يواجه الإسلاميون ايضاً معضلة السياسة الخارجية. ثقة مصر الجديدة، ومحاولتها السير في دبلوماسية اكثر استقلالاً قد تثيران مخاوف الغرب. قرارها الظاهر بتعليق مواقفها المناهضة للغرب واسرائيل قد يهدد بانفضاض جمهورها عنها. فالعديد من المصريين يرغب بما هو اكثر من مجرد نسخة من مبارك مزينة بآيات قرآنية.

ازدهر الإسلاميون في المعارضة لانّه كان بإمكانهم لوم غيرهم، وقد يعانون في السلطة لانّ باستطاعة غيرهم لومهم. إذا خفّفوا من مضمون برنامجهم الأصلي الداخلي والخارجي فسيخسرون قاعدتهم، واذا استمروا فيها فسيخسرون غير الإسلاميين والغرب. إذا أجّلوا نضالهم ضد اسرائيل وقتاً آخر فسيبدو خطابهم منفصلاً عن سياستهم، واذا بدأوا نضالهم ذاك فستبدو سياستهم خطرة في عيون حلفائهم الجدد في الغرب. إذا فسّروا أنّ اعتدالهم تكتيك، فسيكشفون أنفسهم، واذا بقوا صامتين فسيُربكون قاعدتهم الشعبية. هنالك سقوف للتناقضات التي يستطيعون ركوبها في محاولاتهم البطولية للحفاظ على توازنهم. قوة الإسلام السياسي نبعت من عدم ممارستها. قد تكون نجاحاته الأخيرة بدايات انحداره. كم كانت الحياة ابسط حين كانوا في المقلب الآخر.





■ ■ ■



وسط الفوضى والشك، يقدم الإسلاميون وحدهم رؤية أصيلة للمستقبل. قد يفشلون او يتعثرون، وعندها من سيكمل المسيرة؟ تعاني القوى الليبرالية تاريخاً ضعيفاً، وقاعدة شعبية صغيرة، وغياب أيّ ثقل تنظيمي لها. يعرف بقايا النظام القديم طرق السلطة، لكنهم يبدون مستنزفين ومرهقين، اذا انتشر عدم الاستقرار، وتزايد العسر الاقتصادي، فقد يستفيدون من موجة حنين، لكنّهم يواجهون رهانات صعبة للغاية، من دون ان يكون لديهم حجج غير القول إن الامور كانت سيئة، لكنها اليوم أسوأ.

يترك ذلك مجموعة من القوميين، والمناهضين للامبريالية، واليساريين التقلديين، والناصريين. كانت إيديولوجيتهم الايديولوجيا الشرعية الوحيدة في العالم العربي. إيديولوجيا من حارب الاستعمار، أو حكم بعد زواله. لقد استحضرت افكار مماثلة ايضاً عن غير قصد، لكن على نحو واضح، من قبل المتظاهرين والمحتجين في الشهور الماضية. تكلم هؤلاء عن الكرامة والاستقلال والعدالة الاجتماعية، وبالتالي استعاروا من المعجم الايديولوجي للذين أطاحوهم. هذه الرؤية التقدمية، غير الإسلامية، لديها جذور، وجاذبية ما، ومناصرون، لكنّها تفتقد التنظيم والموارد، وعانت كونها تلطخت وأفسدت من جراء أجيال حكمت باسمها عقوداً. هل يمكنها اعادة تجديد نفسها؟ اذا قلل الاخوان المسلمون من اهمية مشاعر الناس القومية، وتجاهلوا طموحاتهم باحلال العدالة الاجتماعية، وفشلوا في الحكم بفعالية، فقد يكون هناك امل. قد تستطيع رؤية قومية واكثر تقدمية أن تعود. هناك شريط ينتشر هذه الأيام. فيه يتحدث عبد الناصر إلى الجماهير عن قصة لقائه قائد الاخوان المسلمين آنذاك، الذي طلب منه اجبار المصريات على لبس الحجاب. أجابه القائد المصري: هل تلبس بنتك الحجاب؟ لا. اذا كنت لا تستطيع السيطرة على ابنتك فكيف تتوقع مني السيطرة على ملايين المصريات؟ وضحك عبد الناصر وضحكت معه الجموع. كان ذلك في بداية الخميسنيات، قبل أكثر من نصف قرن. اليوم يشعر المرء بالحنين لحس النكتة والتحدي ذاك. لا يبدو أن التاريخ يتقدم الى الأمام.

هل كان القرن الماضي انحرافاً شاذاً عن مسار العالم العربي الإسلامي الفطري؟ هل عودة الاسلاميين اليوم هي ردّة شاذة عابرة الى نموذج مضى عليه الزمن؟ ما هو الانحراف، وما هو الطريق الطبيعي؟

* حسين آغا هو عضو متقدم في كلية سان أنتوني في جامعة أوكسفورد؛ روبرت مالي هو مدير برنامج الشرق الأوسط في مجموعة الأزمات الدولية، وكان مساعداً خاصاً للرئيس الأميركي للشؤون العربية ـــــ الإسرائيلية من 1998 حتى 2001 (عن مجلة «نيويورك ريفيو أوف بوكس» ــ ترجمة ديما شريف)



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق