الاثنين، 3 ديسمبر 2012

مصالحة أم تهدئة فلسطينية؟ ..عبد الحليم قنديل

بعد العدوان الإسرائيلي الأخير على غزة، بدا كأن الساحة الفلسطينية تتجه إلى مصالحة داخلية، وأعلنت حماس تأييدها ـ بشروط ـ لذهاب الرئيس عباس إلى الأمم المتحدة، وبهدف الحصول على قرار من الجمعية العامة بمنح الدولة الفلسطينية المفترضة صفة 'الدولة غير العضو' في المنطقة الدولية، وهو ما تم بالفعل في يوم الذكرى الخامسة والستين لقرار تقسيم فلسطين إلى دولتين عربية ويهودية، ويتيح لفلسطين عضوية محكمة الجنايات الدولية واتفاقية جنيف الرابعة بعد كسب العضوية من قبل في منظمة 'اليونسكو'.


وقد يكون لمسعى الرئيس عباس فوائد دبلوماسية، وكأن يعاد التأكيد على كون الضفة والقدس أراضي محتلة، وليست أراض 'متنازع عليها' كما يزعم كيان الاغتصاب الإسرائيلي، كذا إعادة التأكيد على انعدام المشروعية الدولية لتغول الاســـتيطان اليهودي في القدس والضفة، وهو ما يفسر ضراوة الضغط الأمريكي والإسرائيلي على عباس لمنعه من الإقدام على خطوة الذهاب للأمم المتحدة، وهي الضغوط التي صمد ضدها عباس، وأراد كسب صورة القائد الفلسطيني المصمم على نيل حقوق لشعبه، ولمواجهة صعود نجم حماس التي صمدت واستبسلت في نزال الحرب الأخيرة مع إسرائيل.

وبديهى أن كل تقارب بين حماس وعباس مما يستحق التأييد والدعم، فلا أحد يرضى بالإنقسام المتصل منذ خمس سنوات وتزيد، وأدى إلى نشوء دويلتين فلسطينيتين، واحدة في غزة تحكمها حماس، والأخرى في أجزاء من الضفة يحكمها عباس، ورغم عشرات الاتفاقات التي جرى توقيــــعها بوســــاطات مصرية وغير مصرية، فقد ظل الوضع على حاله المزري، ويظل كذلك حتى بعد إعلان حماس تأييدها لخطوة عباس الأممية، فقد بدا التأييد كأنه دعم دبلوماسي من دويلة إلى أختها الشقيقة، وليس اتحادا في الهدف بين حركتين سياسيتين لذات الشعب، وهو مالا يشجع على الاعتقاد بإمكانية التقدم إلى رأب الصدع وانجاز مصالحة حقيقية، واستعادة الوحدة الوطنية المفقودة للشعب الفلسطيني.

في البدء، كانت خلافات حماس وعباس تبدو مفهومة، فبرنامج حماس كان تعبيرا عن مشروع للمقاومة، بينما بدا عباس أميل إلى المساومة، ولا تزال القصة على حالها إلى الآن، وإن أضيفت إليها دواعي انقسام جديدة، فصحيح أن وفدا من المجلس الثوري لحركة فتح ـ التي يترأسها عباس ـ زار غزة، وشارك في احتفالات حكومتها 'الحمساوية' بالنصر الذي تحقق في ردع العدوان الإسرائيلي الأخير، وبدت قيادات من فتح كأنها تنتصر لحق المقاومة المسلحة، لكن الرئيس عباس ظل على موقفه المزري من المقاومة المسلحة، يدينها في كل مناسبة تسنح.

ويتعهد بمنع نشوب انتفاضة جديدة في الضفة والقدس، ويعطي إشارات ظاهرة للإسرائيليين بالتنازل عن حق العودة للأراضى المحتلة عام 1948، وكأنه يريد أن يطمئن إسرائيل التي تستخف به، وإن كانت تفضل التعامل معه كطرف أضعف مقابل الخشية من تضاعف نفوذ حماس، وقد كان لافتا أن تبدأ القوات الإسرائيلية حملة اعتقالات لقادة حماس في الضفة عقب وقف إطلاق النار في حرب غزة، فمصلحة إسرائيل ثابتة في منع انهيار سلطة عباس، وفي تقوية ذراعها الأمني لمنع امتداد نفوذ حماس إلى الضفة، خاصة بعد ظهور حماس في صورة القوة العسكرية القادرة على ردع إسرائيل.

وصحيح أن عباس أقدم على عصيان إسرائيل بالذهاب إلى الأمم المتحدة، لكنه يبدو عصيانا موقوتا جدا، ولا يرجح معه أن يذهب عباس إلى مدى أبعد، وأن يمضي إلى مصالحة ناجزة مع حماس قد تغضب إسرائيل أكثر، ويجعلها تستغني نهائيا عن خدماته، خاصة أن رؤية حماس للمصالحة تبدو منطقية أكثر، فهي تريد ـ كما يقول قادتها ـ مصالحة على أساس برنامج المقاومة، وهو مالا يقبله عباس، والذي يريد حصر القصة في جملة إجراءات انتخابية، واحتواء حركتي 'حماس' و'الجهاد الإسلامي' في منظمة التحرير تحت قيادته، وعلى ظن أن الاعتراف بفلسطين كدولة غير عضو في الأمم المتحدة يزيد من جاذبية سياسته، ويستعيد له صورة الرجل الجدير بالقيادة، وقد يجعل إسرائيل تعطف عليه، وتمضي إلى جولة مفاوضات جديدة مع إدارته، وكلها حسابات تفتقد إلى الجدية والواقعية، فما من شيء استجد على الأرض يدفع إسرائيل لترقية نظرتها إلى عباس، وترفيعه من مرتبة 'الوكيل المفوض' إلى مرتبة 'الخصم المفاوض'.

وإعادة تجميع عناصر الصورة قد يوحي بالمسار المتوقع للحوادث، فأولوية إسرائيل واضحة مع زيــــادة شعــــبية حكومة اليمين المتطرف، وهي إتمام عملية التهام القدس استــــيطانيا بالكامل، والتهام أغلب مناطق الضفــــة الغربية، إضافة لإضعاف وليس غزو دويلة حماس في غزة، وإلحاق 'غزة' عمليا بمصر، وتكليف الرئيس المصري 'الإخواني' بمهمة لجم تصرفات حماس، بينما لا تبدو حركة 'حماس' طيعة لينة إلى هذا الحد، فهي تستفيد بالطبع من الوضع الجديد في مصر، لكنها لن تضحي بروابطها المتصلة مع طهران رغم الخلاف المستعر في الموضوع السوري.

وقد لاحظ المراقبون ما جرى في غزة بعد ردع العدوان الإسرائيلى الأخير، وكيف أن اللافتات معلقة في كل مكان، وباللغات العربية والعبرية والإنجليزية والفارسية، وكلها تقول 'شكرا لإيران'، فالحقيقة التي تعلمها حماس، وعبر عنــــها زعيــــمها خالد مشعل في حوار تليفزيوني، هي أن العنصـــــر الإيراني غالب على ترسانة حماس العسكرية، وعلى ترسانتها الصاروخية بالذات، وهو ما يعني أن نصر غزة صنع أساسا في إيران، وهي حقيقة تعلمها إسرائيل دون حاجة لقراءة لافتات غزة، والتي يقف وراءها فريق متشدد في قيادة حماس، يرفض فكرة التصالح مع عباس، وقد لايمانع في تهدئة تكتيكية تسمح لحماس بحرية عمل أوسع في الضفة الغربية، وهو ما يراقبه الإسرائيليون بالطبع، ويدفعهم إلى ضغط أكبر على عباس بمعاونة الأمريكيين، وبهدف منع أي مصالحة فلسطينية، وحصر القصة في تهدئة عابرة وموقوتة.

' كاتب مصري



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق