الجمعة، 21 ديسمبر 2012

الحقوقي السوري المعارض فائق حويجة لـ«السفير»: لـن تسـقـط دمشـق... ولا حـل إلا بتشـارك دولـي...شهاب الادريسي



يعرّف المعارض السوري فائق حويجة، في حديث مع «السفير»، نفسه بأنه ناشط حقوقي، «تستدعي طبيعة عمله الابتعاد عن الشعارات السياسية»، وإن كان على تنسيق مع «هيئة التنسيق الوطنيّة لقوى التغيير الديمقراطي»، ويتحدث المعارض «القديم» الذي كان عضواً في «الحزب الشيوعي» وبعده في «رابطة العمل الشيوعي»، بلغة المناضل الحقوقي والسياسي معاً، الذي عايش عن قرب أزمة سوريا في الثمانينيات من القرن الماضي، ودخل بعدها السجن لعشر سنوات، انتهت بـ«اعتذار عن إطالة أمد اعتقاله، نظراً للظروف الصعبة للبلاد»، وهو الذي شارك أيضاً في الحراك السوري في الداخل، وما زال يواظب كمحامٍ في دوامه في قصر العدل في دمشق، راصدا ومتابعا من موقعه الحقوقي ملفات وقضايا الاعتقال السياسي والدفاع عن سجناء الرأي.
يرى حويجة أن سوريا اليوم تعيش في حلقة مفرغة من العنف المستمرّ، ولا توجد سوى ثلاثة احتمالات قد تؤدي إلى الخروج من هذه الحلقة

الاحتمال الأوّل: انشقاق عمودي في الجيش، وهو ما لا يتم إلا بخروج تشكيل عسكريٍّ كبير بالكامل، وليس فقط بخروج ضباط أو عناصر بشكل منفرد، كما عرفت الساحة سابقاً. ويرى حويجة أن هذا الاحتمال غير ممكن التحقق، لأن عصب الجيش مشدود في أقصى درجاته حول الرئيس بشّار الأسد، حيث تخشى المؤسسة العسكرية من البديل الذي سيأتي عوضاً عن نظامه، وتحضر عندها صورة الشعب، المتنوّع طائفياً ومذهبياً وقومياً، فتخشى امتداد حرب أهلية ووقوع مجازر واسعة النطاق، في ظل التصدعات القائمة ضمن هذه الفوالق الثلاثة، التي عمقت شروخَها الأزمة الوطنيّة. ويلحظ حويجة أن الخوف على الأقليات الذي يعتري شاغلي المواقع المفصلية في الجيش السوري، سواءً في التشكيلات القيادية في وزارة الدفاع وهيئة الأركان، أم في قيادات الفرق والألوية والأفواج، لا يرتبط بكونهم من أبنائها، حيث أن الضباط المنحدرين من الأكثرية، يعيشون الهاجس نفسه، خوفاً على سوريا وشعبها من التفتيت.


الاحتمال الثاني: التدخل العسكري الأجنبي، على شكل إرسال قوات نظامية تخوض حرباً مباشرةً بالطرق التقليدية. وهو ما يستبعده حويجة بشدّة، لأنه يمكن أن يفجّر حرباً إقليمية وحتى عالمية، نظراً لموقع سوريا المفصلي ولاهمية هذا الموقع الاستراتيجي في ميزان الصراع الدولي فضلا عن ارتباط معسكري النزاع في سوريا، بمحاور إقليمية ودولية، وهو ما تحذره وتتجنبه سائر القوى العظمى.

ويشير حويجة إلى أنه «لم يكن يتوقع عشية اندلاع الانتفاضة، أن يكون التحالف الروسي-الصيني راسخاً إلى هذه الدرجة وراء النظام»، ويلفت إلى أن «اندلاع الأزمة تصادف مع عودة روسيا، وسعيها لتكون من جديد قوة عظمى على الصعيد الدولي، وكونها بحاجة ماسة إلى سوريا لتحقيق هذا الهدف».

الاحتمال الثالث: وهو التشارك الدولي، أي أن يتوافق المعسكران الحليفان لطرفي النزاع على حل في سوريا، تتم ترجمته محلياً على شكل نظام جديد، تشارك فيه السلطة والمعارضة.

وإذ يشدد حويجة على رفض القوى المدنية الديموقراطية للتدخل العسكري، يؤكد أنها تأمل في إبرام هذا التشارك، لكونه المخرج الواقعي الوحيد من الأزمة، وبدونه سيستمر الدم السوري في النزيف، وحلقة الدمار في الدوران.

ويرى حويجة أن السلطة لن تستطيع استئصال المعارضة المسلحة، «في ضوء الدعم الدولي، الرهيب في حجمه، الذي تتلقاه كافة فصائلها من الخارج». لذلك فإنه يستبعد نجاح حسم من طراز الثمانينيات للتمرد المسلح، لأن «الدعم الخارجي للإخوان في وقتها لا يعادل واحداً في المئة من الدعم الذي تتلقاه المعارضة المسلحة حالياً: ففي الثمانينيات، كان الدعم خجولاً وخفياً، ويتم تهريباً عبر الحدود، بينما أصبح حالياً ضخماً وبلا سقف، وهو يصل عبر الحدود المفتوحة على مصراعيها على تركيا ولبنان والأردن. وهو يتصف بالعلنية، ويشمل الأصعدة كافة، وصولاً، على المستوى السياسي، إلى تنصيب الائتلاف ممثلاً للشعب السوري».

ومن ناحية أخرى، يؤكد حويجة أن «المعارضة لا يمكنها أن تسقط دمشق، التي لن يعتبر النظام ساقطاً ما لم تستطع السيطرة عليها، ومرد هذه الاستحالة إلى تماسك الجيش وقوّته في العاصمة ومحيطها». ويرى المعارض العتيد أن «الميليشيات لا قدرة لديها إلا على خلق كانتونات متفرّقة، من دون القدرة على السيطرة على مجمل أراضي البلاد، وإسقاط النظام لإقامة بديل عنه».

وبالعودة إلى الدعم الدولي للمسلحين، يؤكد حويجة أن الهدف منه هو «إطالة أمد الصراع وليس إسقاط النظام، الذي لا يرغب فيه الخارج، تخوفاً من حكم الأصوليين المتطرفين، الذين يملكون القدرة على الاستئثار بالكلمة العليا في أي نظام جديد، نظراً لكونهم الأكثر انضباطاً وتسليحاً. لذا، فهناك توافق موضوعي على إبقاء هذا الجرح مفتوحاً، بما يؤدي إلى إفقاد سوريا دورها وتأثيرها الإقليمي، وإلى تهتك الدولة السورية، وليس النظام فحسب».

ولكن ما الذي يدفع الغرب، والحال هذه، إلى السير بعكس مراده، وإلقاء حبل النجاة إلى السوريين، على شكل توافق دولي يخرجهم من المستنقع، ما دام أن رياح سفن الحرب الأهلية السورية تجري بما يشتهي الغرب وإسرائيل؟

يجيب حويجة بأن «انفلات الانفجار السوري من قيوده لن يكون في مصلحة واشنطن، لأنه سيطيح بالاستقرار في كل المنطقة، وسيؤدي تفتيت سوريا إلى تفتيت تركيا والعراق ولبنان والأردن، كما أنه ليس من مصلحة الولايات المتحدة تحوّل سوريا إلى إمارات يحكمها تنظيم القاعدة وتفرعاته. ويبدو أن التقدير الأميركي خلص إلى أن الدور الإقليمي السوري قد انتهى، وأن سوريا أضحت بلا أذرع طويلة، حيث يتوقع أن تنكفئ على نفسها، لمعالجة أزماتها الداخلية، وإعادة تأهيل بناها التحتية، التي تقدر قيمة الخسائر التي لحقتها بأكثر من مئة مليار دولار».

ويرى حويجة أن إدراج واشنطن لـ«جبهة النصرة» ضمن «قائمة المنظمات الإرهابية» ليس إلا «حنجلة أول الرقص، وهي تأتي ضمن مؤشرات السير الدولي نحو التسوية الشاملة».

ويلفت حويجة إلى أن هذا التصنيف الأميركي الجديد لذراع «القاعدة»، لا يمنع واشنطن من ممارسة لعبة سياسية تطبعها الازدواجية، متمثلة في الرهان على حصاني المواجهة (بالوكالة) والتسوية في الوقت ذاته.

ومع رجاء حويجة الكبير في انعقاد تشارك دولي يوقف الحرب في بلاده، لا يخفي أسفه لتحول سوريا إلى لبنان آخر، يحتاج إلى طائف متوقف على توافق دولي، لإيقاف الصراع المسلح بين أبنائه.

وفي الواقع، تبرز إشكالية أن يعوّل الخط الوطني الديموقراطي في المعارضة السورية على الخارج، من أجل إبرام حلّ للأزمة الداخلية، بدل التعويل على النفس، كما هو شأن كل الثورات في التاريخ، التي انتصرت بقواها الذاتية، دون الحاجة إلى مجلس أمن أو توافق دولي، مع الأخذ في الاعتبار أن الكثير من أحزاب وشخصيات هذا الخط، الذي تمثل «هيئة التنسيق» أبرز تشكيلاته، لهم تاريخ في رفض «القوى الامبريالية»، ولهم باع في النضال القومي النّاصري أو البعثي.

وعلى هذه الإشكالية، يجيب حويجة بأن هذا هو المخرج المتاح الوحيد في ظل الاجتماع السياسي السوري، ذلك أنه «لم تترسخ وطنية في سوريا، البلد الحديث النشوء بشكله الحالي، فالجغرافيا السياسية لهذا البلد جعلته ساحة تلاقي أمم، إما للحرب أو للتجارة، ومنطقةً يسعى إلى تعزيز نفوذه فيها كل القوى الأجنبية، من الولايات المتحدة إلى هونغ كونغ».

وفي هذا السياق، يرى حويجة أن «أول حرب كونية شهدها العالم لم تكن تلك التي اندلعت في أوروبا في العام 1914م، وإنما تلك التي اندلعت في مدينة قادش جنوب حمص، في العام 1274 ق.م، بين الفراعنة والحثيين، الحاكمين لأكبر إمبراطوريتين في العالم خلال ذلك العهد، وهو ما يتكرر في أيامنا هذه».

من جهة أخرى، يلفت حويجة إلى أن من «مظاهر غياب شعور وطنية حقيقية في سوريا، كثرة الاتجاهات التي ترى هويتها فوق حدود الوطن: قومية ترنو إلى الوطن العربي، وإسلامية تنادي بإقامة الخلافة، وأممية تبحث عن وحدة عالمية». إلا أن حويجة يستدرك على غياب الوطنية السورية بالتأكيد على وجود «حساسية وطنية سورية، حيث ينظر السوري إلى قضية فلسطين من منطلق حساسيته إزاء ما يراه أراضي مستقطعة من وطنه، وهي تشمل لبنان والأردن بالإضافة إلى فلسطين».

أما عن النظام السوري، فهو في عين حويجة، «تلفيقي: قومي، إسلامي، وطني، أممي، ليبرالي، اشتراكي...».

ومتنقلا من الحديث عن الوضع السوري الذي تتشابك فيه الخطوط والجبهات، والتنوع الديموغرافي، وحضور قضية الصراع مع إسرائيل، يشير حويجة إلى استثمار الأنظمة الخليجية للمال والإسلام السياسيين، وتوظيفها لإمبراطورياتها الإعلامية في محاولة تطويع الأحداث السورية لمصلحتها، ويسرد واقعة اتصال قناة خليجيّة به لإلقاء مداخلة عبر شاشتها، واشتراطها أن يتحدث ضيفها من موقع دعم «المجلس الوطني»، أو على الأقل التماهي مع خطابه.

ويشير حويجة إلى أن الثورة أو الانتفاضة لا تنجح بمجرد أن تنطلق، فهناك ثورات وانتفاضات كثيرة في التاريخ انتهت إلى الفشل أو الهزيمة، وكثيراً ما تنطلق أحداث تاريخية، وتنتهي إلى غير المقاصد التي أرادها المشاركون في صنعها، ولكن السّيرورة تستمرّ في حكم التاريخ.

ويمتنع حويجة عن وصف الحراك الحالي بأنه «ثورة»، ويعتقد أنه عبارة عن «انتفاضة عفويّة وغريزيّة، استندت إلى قنوط السوريين من حال تحديد الحريات الذي عاشوه أيام طوارئ الأعوام الأربعين»، وفجّرها غضب المناطق الريفية، «التي أتت اللبرلة الدردرية على مكتسباتها السّابقة، من قروض ميسّرة وأسمدة بأثمنة مخفّضة، تمتعت بها في عهد الأسد الأب، الذي كان خلاله الحد الأدنى من الكفاف المعيشيّ المرضي متاحاً لكل المواطنين، بعكس سياسة الإفقار التي عرفتها مصر مثلاً».

ويرى حويجة أن «هناك في سوريا قطبين لم يمارس أيّ منهما السياسة، ولم يعتقد بها أو بالحوار، بل كان يراهن على قدرته على حسم اللعبة بأسرها لصالحه بشكل منفرد على الميدان، فالنظام من جانبه لم تكن دعواته إلى الحوار جديّة، أما المجلس فكان يعد جمهوره بإسقاط النظام في رمضان المقبل أو العيد المقبل (قبل سنتين)».

وفي ضوء ما يراه حويجة من أن المعركة لن تصل إلى خاتمة بغير جلوس المتصارعين إلى طاولة التفاوض، يذكر بإطلاقه في نيسان العام 2011، ما أسماها «دعوة إلى إنقاذ الوطن والمواطن»، تنصّ على الحوار والحلّ السياسي، كمخرج وحيد من الأزمة والنفق المظلم.

وعن الائتلاف المشكل حديثاً في الدوحة، يرى حويجة أن «سياسته فيها من الانتهازية والوصولية ومحاولة اللهاث وراء الغريزة الشارعية، أكثر ما فيها من محاولة إنتاج سياسة فاعلة، لتوجيه وإعادة توجيه الشارع، باتجاه الحرية والكرامة والدولة الديموقراطية».

في العودة إلى التاريخ، يمكن استقراء المستقبل. وبالعودة إلى حرب الفراعنة والحثيين التي دارت على الأرض السورية بدءاً من العام 1274 ق.م، يقول التاريخ إنها انتهت بحفاظ الطرفين على مواقعهما الجغرافية، وتحملهما خسائر بشرية فادحة، لم تمنع أحداً منهما من ادعاء الانتصار، وأفضت إلى توقيع اتفاقية سلام بين القوتين العالميتين في العام 1258 ق.م، اعتبرت أول معاهدة سلام مكتوبة في التاريخ، ما حذا بالأمم المتحدة إلى رفع نسخة عنها على حائط في مقرها الدائم.

فهل يكرر التاريخ، في هذه، نفسه؟



“السفير”



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق