الثلاثاء، 25 ديسمبر 2012

العناد الذى يعمى ويصم ... جمال سلطان

العناد الذى يعمى ويصم ... جمال سلطان

في التراث العربي قصة طريفة تضرب مثلًا لما يفعله العناد بصاحبه، عندما يغلق عقله وينكر الشمس في رابعة النهار لمجرد أن ينتصر لرأيه أو موقفه الذي لا يريد أن يتراجع عنه رغم ثبوت خطئه أو لا يريد أن يسلم أبدًا بأنه كان غير صحيح أو غير متفق مع الواقع الحقيقي، تقول القصة إن اثنين تجادلا في كائن رأوه على مسافة بعيدة نسبيًا منهما، أحدهما قال: هو عنزة والآخر قال هو نسر، وتجادلا طويلًا كل منهم متمسك بصحة تقديره وكلامه، فكان أن توصلا إلى اتفاق يقتضي بأن يحتكما إلى التجربة العملية، بأن يقذفا هذا الكائن بحجر فإذا طار ثبت أنه نسر وإن جرى على الأرض ثبت أنه عنزة، فلما قذفوه بالحجارة طار في السماء، فما كان من أحد الخصمين إلا أن كابر وقال: عنزة ولو طارت!!،

والحقيقة أني لا أجد وصفًا أكثر دقة من هذه القصة لوصف حال المعارضة المصرية الآن وجبهة الإنقاذ بشكل خاص، فقد طالما تحدثت باسم الشعب وأن الشعب معها والشعب يؤيدها والشعب يريد كذا وكذا من مطالبها وصوروا الواقع ـزورًاـ كما لو كانت الأغلبية الساحقة من الشعب معهم، وربما صدقوا أنفسهم فعلًا من كثرة الادعاء والضجيج الذي يسجن صاحبه في الوهم، وكذلك قال مخالفوها من الأحزاب والقوى الأخرى بأن الشعب معهم والشعب يؤيد سياساتهم، فكان البديهي في النهاية أن يحتكم الطرفان إلى الشعب لكي نفهم بالضبط من هو الطرف الذي يؤيده الشعب ويدعم سياساته، فعندما بدأت تلوح في الأفق ـ بعد الجولة الأولى للاستفتاء ـ حقيقة أن الشعب يرفض مواقف جبهة الإنقاذ ويؤيد سياسات الرئيس محمد مرسي والقوى السياسية المؤيدة له، قالوا: عنزة ولو طارت، سنرفض الدستور حتى وإن قال الشعب إنه يريده، ثم مضوا في رحلة تخبط مثيرة، بعضهم قالوا إن الاستفتاء تم تزويره ثم لم يقدموا أي دليل عاقل أو منطقي وقامت اللجنة القضائية المشرفة على الانتخابات بتفنيد كل هذه الادعاءات بشكل منطقي ودقيق، ثم قالوا إنهم سيقاطعون المرحلة الثانية، ثم عادوا فقالوا إنهم يراهنون على المرحلة الثانية وأنها ستأتي مؤيدة لهم، ثم عادوا وقالوا: إذا أتت نتيجة المرحلة الثانية مؤيدة للدستور فهي مزورة ولن نقبلها، وبعضهم قال إن نسبة الموافقة على الدستور ضعيفة ولا بد للدستور أن تكون له نسبة موافقة عالية ليست أقل من السبعين في المائة لأن الدستور الحالي قسم الوطن ومزق الأمة، فلما تبين لهم ـ بالبديهة ـ أن أي دستور في الدنيا لا بد أن ينقسم الوطن تجاهه ما بين مؤيد ورافض وهذا طبيعي جدًا وعادي جدًا، وأفحمهم خبراء القانون بأن الدستور الفرنسي تمت إجازته في بنسبة 53% والدستور الإيطالي الذي كان أعلى نسبة موافقة في العالم تم تمريره بنسبة 61% ، عادوا وقالوا إننا لن نقبل الدستور حتى ولو أتت نسبة الموافقة عليه 100%، وبعضهم راح يهجو الشعب المصري ويصفه بأنه جاهل ولا يعرف مصلحته وأهانوا شعبهم وحقروه بما لم يفعله حتى المستعمرون.



ستتم اليوم السبت ـ بإذن الله ـ الجولة الثانية والحاسمة من الدستور المصري الجديد، دستور الثورة، وهو قرار الشعب المصري، وسيكون ملزمًا للجميع، ومفحمًا للجميع، بعيدًا عن الجعجعة والاستعلاء المشين لبعض أعضاء جبهة الإنقاذ، وإذا أتى قرار الشعب المصري بالموافقة على الدستور، كما هو متوقع، فسوف تنطلق دعوة الشعب المصري بجميع أحزابه وقواه السياسية لانتخابات البرلمان، وستمضي دورة البناء واستكمال مؤسسات الدولة، وستكمل ثورة يناير انتصارها بتمكين الشعب المصري من قراره وفرض إرادته على الجميع، حاكمًا وحكومة ومعارضة، لأن الجميع يعلم أن هذه الفوضى لن تستمر ولن يقبل بها أحد، وأن بقاء العمل السياسي في الشوارع والميادين هو إهانة للثورة وإهدار لكل أهدافها وأشواقها في بناء وطن حر وناهض.



almesryoongamal@gmail.com



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق