الثلاثاء، 20 نوفمبر 2012

المقاومة الفلسطينية وإسرائيل موافقتان على إعلان هدنة، لكن صمود المقاومة أتاح لها التمسك بشرطين لقبول التهدئة، وهما: فكّ الحصار ووقف الاغتيالات، في حين تريد تل أبيب ضمانات ما بعد وقف إطلاق النار

بين غزة والساحة الجنوبية يتدرج الوضع في شكل واسلوب عمل مغاير. وهنا حساسية وضع حزب الله وحاجته الى منع اي تصعيد حدودي




هيام القصيفي

منذ حرب 6 تشرين الاول عام 1973، بقي لبنان والفلسطينيون وحدهما في قلب الصراع العربي الاسرائيلي، بعدما ذهبت سوريا الى توقيع اتفاق فك اشتباك مع تل ابيب ونشر قوات الأندوف لمراقبة وقف اطلاق النار، ووقعت بعدها مصر اتفاق كامب دايفيد، وارسى الاردن علاقات سرية مع اسرائيل ما سهل في وقت لاحق اتفاقات وادي عربة للسلام.

بعد اجتياح عام 1982 دخلت ايران على خط هذا الصراع، في محور تصاعد حضوره تدريجا ليتكرس في تحالف رباعي ضم ايران وسوريا وحزب الله وحماس في مرحلة متطورة. وافادت طهران من سحب ورقة فلسطين من الدول العربية لتبني نفوذها في الشرق الاوسط، انطلاقا من المتوسط، مستعينة بحزب الله وبسوريا في تمتين هذا النفوذ. فيما انكفأت الدول العربية تحت وطأة اتفاقات السلام، والاكتفاء بالتذكير بقضية فلسطين وطرح مبادرات في القمم العربية.

منذ تلك اللحظات التاريخية بقي النظام العربي من دون اي تغيير، وبقي لبنان يتحمل وزر القضية الفلسطينية، ومعه الفلسطينيون انفسهم في لبنان الثمانينيات ومن ثم في غزة والضفة الغربية.

اليوم ولاول مرة بعد بدء انهيار هذا النظام العربي عام 2010، والتغييرات الجذرية التي حصلت في دول تونس ومصر وليبيا واخيرا سوريا، تحدث مواجهة اسرائيلية فلسطينية في غزة. والمواجهة حصلت في وقت لا يزال فيه النظام العربي الجديد يتكون ويصعد تنظيم الاخوان المسلمين شيئا فشيئا سلم الحكم في تونس ومصر، وفي لحظة الانهيار السوري حيث تتفكك بنية الدولة في شكل دراماتيكي، وتتحلل بنية الجيش والمؤسسات الوطنية.

لكن المواجهة مع حماس اخذت ابعادا مختلفة. فحماس اليوم، لم تعد هي نفسها التي كانت حاضرة بقوة عام 2010 كطرف اساسي في جبهة الممانعة، بعدما صارت محاطة ببيئة ايديولوجية عربية متجانسة، فحاولت الخروج من هذا الاصطفاف واضعة الجزء الاكبر من اوراقها في عهدة مصر بنظامها الاخواني الجديد.

ما حدث في غزة هو لاول مرة احتكاك اسرائيلي مع هذا النظام العربي الذي يتكون، الذي يُعرف موقعه الآن، لكن أحداً لا يعرف كيفية تطوره، بمن فيهم الاسرائيليون والاميركيون الذين لا يزالون يجهلون طبيعة ردود فعل الانظمة الجديدة على حدث كبير بمثل هذه الخطورة. على عكس ما كانوا يدركونه مع الرؤساء حافظ الاسد وحسني مبارك والعاهل الاردني الملك حسين والعالم العربي بحلته سابقا.

لذا جاءت مواجهة غزة تحمل معايير مختلفة، عبّر عنها الاسرائيليون انفسهم، مقارنة مع العملية السابقة التي استهدفت غزة عام 2008. اليوم ينذر الاسرائيليون سلفا ويبلغون بكيفية ردهم، ويرسلون اشارات للتهدئة والهدنة، ويوسعون اطار التفاوض على وقف اطلاق النار، ويتحركون بطرق جديدة لم يسبق لهم ان اعتمدوها إطلاقا خلال عملياتهم من لبنان الى فلسطين.

في المقابل تصرف العالم العربي والغربي في شكل مختلف، مع حماس، التي لا تزال على لائحة الارهاب الاميركي، بطريقة هي اقرب الى محاولة احتضان الحركة الخارجة عن طوع ايران مهما حاولت الاخيرة تأكيد تضامنها معها (من دون نفي استمرار وجود نفوذ لايران مع بعض المجموعات في غزة). تحرك وزيرا خارجية نظامي مصر وتونس «الاخوانيين» ــ بعيدا عن التحرك الاعلامي لوزراء الخارجية العرب امس ــ وتحركت واشنطن وفرنسا والامم المتحدة، في صورة مناقضة تماما لما حصل قبل اعوام. وبدا واضحا ان التدخل الخارجي يريد احتواء الحركة الاسلامية، مهما كثرت تصريحات التنديد بالعدوان الاسرائيلي، بمعمودية عربية جامعة.

واي حديث عن ان العملية الاسرائيلية لتحييد النظر عن نظام الرئيس السوري بشارة الاسد في غير محله، ولا سيما ان الملف السوري بقي خلال ايام الحرب في غزة، على الايقاع ذاته، مضافا اليه اعتراف فرنسا بالمعارضة التي اختارت مقرا في القاهرة واستمرت المبادرات من خلال حركة وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، واتصالات الرئيس المصري محمد مرسي ورئيس الحكومة التركية رجب طيب اردوغان.

اين لبنان وحزب الله مما يحصل؟

تختلف وضعية حزب الله عربيا ودوليا عما تعيشه حركة حماس اليوم. فالحزب في مفهوم معارضيه، متورط في سوريا مهما حاول بعض مؤيديه تغليف تورطه بالدفاع عن القرى الشيعية عند الجبهة المقابلة للبقاع الشمالي. وهو سبق ان تورط في مصر، وتتهمه البحرين والسعودية بالتدخل في شؤونهما وتحريك التجمعات والتظاهرات ضد النظامين السعودي والبحريني. وكذلك فانه لا يحظى حكما باحتضان عربي او دولي، ولا سيما في ضوء مطالبة واشنطن الاتحاد الاوروبي بوضعه على لائحة الارهاب. واستطرادا فانه لا يحظى باجماع لبناني حوله، منذ 7 ايار وصولا الى احكامه السيطرة على الحكومة.

واي قراءة لاحتمال قيام حزب الله بأي عمل عبر جنوب لبنان ضد اسرائيل، قراءة خاطئة، لان وضع الحزب لا يمكن ان يكون مماثلا ولو قليلا لوضع حماس في غزة، خصوصا ان الحزب فقد من جراء الحرب الدائرة في سوريا حليفا اساسيا، لا بل ان النظام السوري مهما كانت توقعات مصيره، هو اليوم الذي يستفيد من دعم الحزب له، لا العكس.

لذا فان الايام المقبلة ستكون اصعب واخطر، لان اي خطوة غير محسوبة على الجبهة اللبنانية، ستكون كارثية. وقد تكون التهدئة جنوبا حاجة ملحة للحزب اكثر من اي وقت مضى، وله مصلحة حيوية في عدم حدوث اختراق جدي للساحة الجنوبية، وفي ابعادها عن اي مغامرة متهورة من اي فصيل اتت. من هنا مراقبته الحثيثة للوضع الجنوبي والمخيمات الفلسطينية التي يخشى ان يحاول اي طرف استخدامها لهز الوضع الجنوبي والحدودي.

وهو، في ظل الحصار العربي والمحلي عليه، سيكون مضطرا اكثر فاكثر الى التصلب في الداخل اللبناني، كما ايران، والدفاع عن مواقعه التي وصل اليها، سواء للامساك اكثر بالوضع قبل حدوث متغيرات دراماتيكية في سوريا، او لمضاعفة اوراقه قبل الذهاب الى نوع جديد من انواع التفاوض

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق