الخميس، 8 نوفمبر 2012

سوريا: عثرات الغرب تكبر ومخارج الأزمــة محدودة >>>>حسن خليل

ممكن إدراج أيّ من أحرف الجرّ القواعدية في بحث الصراع الإقليمي القائم حالياً المتعلق بجوهره بسوريا. فهو «في» و«على» و«من» و«إلى» سوريا. تصريح وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون أخيراً كان مفصلياً في إظهار التراجع الواضح للمعسكر الغربي ــــ العربي المؤيّد للمعارضة السورية، ويظهر أنها لم تستطع في الحد الأدنى أن تترجم، ولو سياسياً، تأثيراً في شدّ أزر الفريق المؤيد لها، بل أحبطته نهائياً. موقف وزير خارجية فرنسا رولان فابيوس، أثناء زيارة وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف لباريس، أعلن الخلاف مع الروس، ولكنه تراجع في ما يتعلق بالنبرة الفرنسية المعتادة منذ زمن آلان جوبيه لقلب الطاولة في سوريا. أوروبا، في رأي المتابعين، أصبحت في الصراع الإقليمي وجوهره سوريا، كما الخليج العربي، «نحن موجودون ونبرتنا عالية، ولكن طبعاً حلفاؤنا الأميركيون هم مَن يدفعون بأساطيلهم ويقاتلون».

عظم الأجواء السياسية والميدانية يشير إلى أن تسوية ما باتت ضرورية لها أسبابها وعللها ومقوّماتها وثوابتها:

أولاً، أصبح ثابتاً أن إيران وروسيا لن تتفاوضا على رأس بشار الأسد، بل مستعدتان، فقط، للتفاوض عن طريق بشار الأسد. والموقفان الصيني والعراقي غير بعيدين عن هذا التوجه.

ثانياً، تشير المعلومات إلى أن الحسم العسكري شبه مستحيل لدى الطرفين المتصارعين في سوريا. المعارضة المسلحة يصفها البعض بالفوضوية، ولكنها قادرة على المواجهة والانتقال الديناميكي، وهي تملك كل الدعم اللوجستي والمادي من أقوى دول العالم (مع أنها تدّعي أن العالم تخلى عنها)، بينما النظام صامد بمؤسساته وجيشه لـ«التصدي لقوى العملاء والتكفيريين والخارجين عن القانون...»، ولن يقبل بتسوية إلا عن «طريق الانضمام والعودة إلى الدولة».

ثالثاً، تفيد معلومات من روسيا والصين بأن لا سعر مناسباً لتبديل موقفيهما من الصراع الإقليمي، بل على العكس، أصبح هذا المعسكر، ومعه حلفاؤه من بعض الغرب والشرق، أكثر رسوخاً في مواجهة «الغطرسة الأميركية والأوروبية». وكان لافتاً تقرير وزارة الخارجية الروسية الوارد في 56 صفحة عن انتهاك حقوق الإنسان والمبادئ الديموقراطية في الولايات المتحدة كرسالة إلى الأميركيين بأن أحداً لم يعيّنهم مرشداً للإنسانية في العالم. فيما الموقف الإيراني حول سوريا ثابت ولن يتزحزح، وطبعاً معه حركات المقاومة.

رابعاً، يعزو قطب سياسي بريطاني بارز تأجّج الصراع أكثر فأكثر إلى التفاهم الواضح القائم بين «نظام الإخوان في دول الربيع العربي» والنظام الغربي، هذا ما يثير هواجس أكبر في موسكو وطهران، ولكل منهما أسبابه.

خامساً، نتيجة كل هذا يؤمن بعض المحللين بأن إمكانية الاستفراد العسكري في أية مواجهة مقبلة غير وارد وأن الحرب الإقليمية المقبلة قد تبدأ في جبهة ما، ولكنها ستتوسع خلال ساعات.

سابعاً، يقول قيادي بارز في حزب الله إن كل محاولات الإلهاء لن تنفع في الداخل السياسي اللبناني، لأن الجبهة اللبنانية ستكون الأكثر سخونة مع سوريا في المواجهة المقبلة. وبات واضحاً في تقارير الاستخبارات العالمية أن الجناح العسكري للمقاومة معزول بشكل كامل عن فساد الداخل السياسي أو صراع الزواريب، وأن هناك الآلاف من الرجال أصابعهم جاهزة رهن أوامر قيادة تعرف تمام المعرفة أنها، كما الإسرائيلي، في صراع وجودي.

ثامناً، بحسب تحليل أحد الاستراتيجيين الغربيين أن هناك عدم تكافؤ بين المعسكرين الدوليين المتصارعين إقليمياً في تحريك الحلفاء وتطويعهم في المواجهة، فلدى «المعسكر الشرقي» حلفاء جديون، عسكرياً وسياسياً، من غزة إلى إيران، مروراً بحركات المقاومة ومجموعات فاعلة في دول الخليج، كذلك الحوثيين في اليمن، وحتى في باكستان والهند، بينما المعسكر الغربي غير قادر على تجييش إلا التكفيريين الانتحاريين ومَن يمكن تجنيدهم بالمال الشهري.

تاسعاً، يتوقف المراقبون طويلاً أمام التحول الدراماتيكي في موقف تركيا. فرجب طيب أردوغان وملهمه الأول أحمد داوود أوغلو وفريقهما اكتشفوا متأخرين أن الغرب غير مستعد، وغير قادر أيضاً، على الشروع في أية مغامرة عسكرية لا يعرف أحد نتائجها، وأن روسيا والصين جديتان إلى أقصى الحدود. كذلك، تعدّ إيران نفسها في حالة حرب وجودية، وبالتالي فإنها تتصرف بأن مَن يمسّ بأمن وجودها سيكون مسؤولاً عن تهديد السلام العالمي، وليتحمل المسؤولية.

ويضيف المراقبون أن مَن يعرف تركيا خلال السنوات العشرين الماضية يستنتج أنها بنت اقتصاداً يحتل المرتبة الـ14 عالمياً، لكنه يقوم على صناعة وزراعة وسياحة وخدمات وترانزيت لوجستي ونفطي وغازي. وبالتالي إن أي صراع قادم لن تدخل به تركيا بعد أن تبيّن لها أن آذان «الحلفاء» صمّاء، وهي بالتالي أعادت صياغة خطابها؛ لأن أية مغامرة غير مدروسة قد تطيح استقرارها الاقتصادي، فضلاً عن واقعها الحساس جداً ديموغرافياً وإثنياً وعرقياً ومذهبياً. لذلك تركيا حريصة على أن تبقى سوريا موحدة، ولو طال القتال، على أن تتفكّك وتصل الشظايا إليها.

عاشراً، أوروبا المهددة بوحدتها ــــ أو بالحد الأدنى خروج بعض الدول الأطراف منها ــــ غير قادرة ومعها حليفتها الرئيسية الولايات المتحدة على المغامرة العسكرية كما فعلت وندمت في أفغانستان والعراق. التضحيات في الحرب الإقليمية المقبلة لن تكون جنوداً قتلى أو كلفة حرب مالية كما درج التقويم في الحربين السابقتين. هذه الحرب، إذا حصلت، قد تهدد أوروبا نفسها والعالم نتيجة المضاعفات التي يختلف الخبراء السياسيون والعسكريون في تقويمها.

حادي عشر، يجمع الخبراء السوسيولوجيون على أن المجتمعات الفقيرة أكثر احتضاناً واستيعاباً لتبعات صراعات أيديولوجية، بينما المجتمعات المرفّهة هي الأكثر انتفاضاً وامتعاضاً لاختلال نمطها المعيشي. أي إن الحرب المقبلة ستكون لها آثار تدميرية أقوى في المجتمعات المتحالفة مع الغرب، بينما تتوحّد «المجتمعات الممانعة» أكثر خلال المواجهة.

ثاني عشر، يؤكد مسؤول إيراني بارز أن إيران، الدولة المحورية في احتياطي الغاز في المنطقة، لن تبدّل في مواقفها السياسية، وهي مستمرة في مناوراتها العسكرية وكأن المواجهة غداً، غير عابئة بالحصار الاقتصادي والضغط في الملف النووي والتجييش المذهبي. ويؤكد المسؤول نفسه أن العراق، الدولة النفطية التي ستبرز أكثر خلال السنوات المقبلة، لن تعود إلى عهد نظام صدام وما قبله. ولن ينجح مَن يموّل كل العمليات الانتحارية في العراق بإعادة عقارب الساعة إلى الخلف. وهي تتصرف أيضاً على أنه لا خيار لها إلا في موقعها الحالي نتيجة لما عانته وتعانيه من دمار مموّل ممّن لم يقتنعوا بعد بأن تأجيج المذهبية لن يفيد، وأن الصراع الديني المفتعل ما هو إلا صراع سلطوي بامتياز لا علاقة للأديان أو المذاهب به.

ثالث عشر، احساس الغرب، الذي أمعن في المراحل الأولى في دعم المعارضة السورية، بأن هذه الأخيرة بات محسوماً أنها ستخرج عن السيطرة بنتيجة هيمنة الخط السلفي على فصائلها.

رابع عشر، قد تجد دول الخليج نفسها قريباً، بحسب دبلوماسي عربي وثيق الاطلاع، مضطرة إلى إرسال وحدات من درع الجزيرة للمرة الأولى إلى الكويت إذا ما تفاقمت الأوضاع فيها، فضلاً عن الخلاف الواضح بين السعودية وقطر من جهة، وبين الغرب عموماً، والذي لم يعد خافياً على أحد.

كل هذه المعطيات والثوابت، تعطي تفسيراً واضحاً لخفض نبرة المواقف السياسية الخليجية والمصرية والتركية والأوروبية والأميركية أخيراً. وكأنّ هناك تسوية ما لا بد من إنجازها وتُطبخ على نار هادئة، تبحث بالتفصيل بعد كانون الثاني 2013، بغضّ النظر عمَّن سيكون في البيت الأبيض، لأن الوضع غير مرتبط بشخص، وإنما بلعبة أمم كبرى وضعت العالم اليوم في أخطر ظروفه منذ الحرب العالمية الثانية. اقتصاديات مفلسة غير معلنة، ونظام رأسمالي يسأل ماذا فعل، ومعسكر جديد وُلد ويبحث لنفسه عن مناطق نفوذ وضمان غاز ونفط، ودول تعتبر نفسها في حال وجودية.

لذلك، وبحسب المتابعين، هناك 3 خيارات:

1 ـ إنجاز تسوية في سوريا يبحث المعسكران في تفاصيلها ومراحلها الانتقالية. تفصيل هذه التسوية هو الواقع السوري، ولكن جوهرها هو تسوية إقليمية _ دولية تعيد رسم مناطق النفوذ في العالم بين معسكرين اعتقد أحدهما أنه استولى للأبد على أحادية القيادة العالمية، وآخر وُلد من بطن غباء الأول... وهذه التسوية تقوم إقليمياً، على أن إيران وتركيا ومصر هي الدول المحورية في المنطقة.

2 ـ استمرار الصراع الإقليمي في جبهات متنقلة أعنفها سوريا اليوم، ولكن قد تنتقل إلى لبنان ودول عربية أخرى كالأردن والعراق والخليج، تأخذ المنطقة إلى بحور من الدم لأجيال مقبلة.

3 ـ مواجهة دولية لا أحد يعرف أين تبدأ ولا كيف تنتهي، ولا يمكن أحداً تصوّر نتائج سيناريو كهذا.

الأشهر المقبلة ستظهر أيّاً من الخيارات أعلاه سينجح، ولكن كل الدلائل تشير إلى أن الجميع بات في مأزق، وبالتالي ستفرض التسوية نفسها.



"الأخبار"



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق