الثلاثاء، 16 يونيو 2009

لا يموت الذيب ولا تفنى الغنمات....بقلم: ياسين عز الدين


أعادتنا كلمة أوباما في مصر إلى عهد ما قبل الفضائيات عندما كان سيادته أو جلالته يتصدر النشرات ليدلي لنا بشيء من حكمته ورأيه السديد، وأنشغل الجميع قبل الكلمة بتوقع ماذا سيقول وعلى ماذا سيركز، وأشبعونا بعدها تحليلاً وتفصيلاً لكلماته ودلالات وإيحاءات جمله.وإن كان من الحكمة عدم تجاهل كلمة يلقيها رئيس أقوى دولة في العالم، إلا أن المهرجان الذي صاحب كلمته وتهريج المطبلين والمزمرين كان بلا شك مبالغة لا ريب فيها، وهي مبالغة مقصودة من أولئك الذين يبحثون عن أدنى إشارة ليبرروا استمرار تبعيتهم للراعي الأمريكي، وتحديداً فيما يخص القضية الفلسطينية.لا يهمهم كثيراً حقيقة أن أوباما لم يتكلم عن تغيير جوهري (أو حتى شكلي) في سياسة الولايات المتحدة تجاه القضية الفلسطيني، ومثلما قال محمد حسنين هيكل فكلمة أوباما لم تكن أكثر من كلمة علاقات عامة، ولو كان معنياً بتغيير سياسة لعبر عن ذلك في كلمة أمام الكونغرس حيث تصنع السياسة الأمريكية.ولو كان أوباما معنياً حقاً بتغيير سياسته تجاه القضية الفلسطينية لأعطى عمر سليمان الضوء الأخضر لإتمام المصالحة الفلسطينية، ولما حملت وزيرة خارجيته كلينتون الوزير سليمان شروط الرباعية إياها التي كانت ترددها كونداليزا رايس- لا جديد تحت الشمس.مع كل ذلك كان خطاب أوباما ضرورياً لجماعة الاعتدال العربي، وبعد أن كان اليأس هو سيد الموقف بعد فوز نتنياهو بالانتخابات الصهيونية، أصبح قادة الاعتدال العرب وجوقتهم الإعلامية مثل "أم العروس .... فاضية مشغولة"؛ مشغولين بمناقشة وتحليل مواقف الإدارة الأمريكية، وهل ستجبر الصهاينة على وقف الاستيطان أم لا، وفاضين (فارغين) لأنهم بعد كل هذا الكلام سينتظرون ما يتفق عليه أوباما مع نتنياهو.

لا يموت الذيب ولا تفنى الغنمات:

يطلق هذا المثل على الحلول الوسط التي تراعي مصالح المفترس (الذئب) ومصالح الضحية (الأغنام)، وخطاب أوباما راعى الحلول الوسط، على قاعدة لا يموت الذيب ولا تفنى الغنمات، ولكي لا نفهم خطأ، ليس المقصود أن لا يموت الكيان الصهيوني وأن لا يفنى الشعب الفلسطيني، بل المقصود هو أن لا تفنى المسيرة السلمية، وأن لا يموت ذئب الطمع الصهيوني فلا يقدم الصهاينة أي تنازل جوهري أو حقيقي.

هكذا كان موقف أوباما بعد اجتماعه مع عباس، وخلال كلمته في القاهرة، وعبر تصريحات مبعوثه جورج ميتشل، فسمعنا كلمات ضبابية مثل أن أوباما واثق بأن الصهاينة ملتزمون بإقامة دولة فلسطينية قابلة للحياة- طبعاً لم يتعهد بأن لا تكون حياتها مثل حياة شارون (تعيش على الأجهزة وفي الحد الأدنى من مظاهر الحياة)، وأنه واثق من أن الصهاينة سيلتزمون بتجميد الاستيطان.طبعاً نتنياهو سيلقي الأسبوع القادم كلمته "المصيرية"، وهو لن يقطع حبال الأمل ويهلك الأغنام فلن يتعنت ولن يصر على عدم تجميد الاستيطان، وفي نفس الوقت لن يقتل الذئب ولن يجمد الاستيطان، سيأتي بكلمات مطاطية وألاعيب كلامية يفسرها كل على هواه، وهو ينفذ على الأرض وفي الميدان ما يلائم هواه، سيقول أنه ضد الاستيطان غير الشرعي، وسيقول أنه مع قيام شكل معين لكيان فلسطيني، وسيكون هذا كافياً عند جماعة الاعتدال ليواصلوا المسير فالمهم عندهم استمرار التفاوض واستمرار العملية السلمية، والخروج بنتائج ليس بأولوية عندهم مطلقاً.

اللي بياخذ أمي بقولّه يا عمي:

من البديهي أن جماعة الاعتدال العربي ليسوا بصدد إبداء معارضة حقيقية أو اعتراض جدي على ما سيأتيهم من نتنياهو أو أوباما، مسلمين بأنهما من اختيار شعبيهما ولا يمكن إجبار الشعب الأمريكي أو الصهيوني على القبول بخيارات لا يقتنع بها (طبعاً هذه القاعدة لا تنطبق على الشعب الفلسطيني أو أي شعب عربي)، وبالتالي لا خيار عملي أمامهم سوى التسليم "بقضاء أمريكا وقدرها."ولسان حال الجماعة يعبر عنه المثل الشعبي: "اللي بياخذ أمي بقولّه يا عمي"، وهو مثل يضرب لذل قائله ومهانته، فهو يقبل بأي زوج أم مهما كان دنيئاً وخسيساً ولئيماً وحاقداً، فما دام هو زوج الأم فهو العم المطاع المحترم، وما دامت أمريكا والصهاينة أم المعتدلين العرب، فهم سيقبلون بمن تختاره أمريكا أو يختاره الكيان للقيادة، وبالتالي تبقى خيارات المعتدلين العرب متروكة للسياسة الداخلية الصهيونية، وللسياسة الداخلية الأمريكية، وللسياسة الأمريكية الصهيونية.أوباما قد يحمل تغييراً في جعبته، بالرغم من أنه محكوم بسياسات عامة لا يستطيع تجاوزها، لكن ماذا نتوقع عندما يتعامل مع أناس يقدمون التنازل تلو التنازل بحجة سحب الذرائع، وبحجة إحراج أمريكا والصهاينة؟ لماذا يدفع الصهاينة الثمن إذا كانوا يحصلون على كل شيء مجاناً؟ وما دام هنالك من يقول لنتنياهو وأوباما يا عمي، فلا يجب أن نتوقع أي تغيير، بل يجب أن ننتظر المزيد من المطالب والضغوط.

رضينا بالنتن والنتن ما رضي فينا:

حال الاعتدال العربي مع نتنياهو مثل المثل القائل (رضينا بالهم والهم ما رضي فينا)، فبعد عملية قتل الشهيد السمان كان رد الصهاينة على لسان الوزير إيلي يشاي بأن هذا جهد لا يكفي، وللتذكير فقط إيلي يشاي هو الذي أطاح بحكومة أولمرت لأنه رفض أن تكون القدس مادة تفاوض مع السلطة حتى لو ضمن له اولمرت أن المفاوضات لن تصل إلى نتيجة.وفي ظل الرضا الاعتدالي التام بما تجود به حكومة نتنياهو لم يجدوا إلا مزيداً من الصلف والصدود، ورد نتنياهو على كلام أوباما المائع حول المستوطنات، بكلمات حازمة أنه لا يستطيع تجميد الاستيطان، بل زعم أن هنالك تفاهم سابق بين حكومة أولمرت وبوش حول السماح بالبناء في المستوطنات "القانونية".وفي الحقيقة لا يهمنا كثيراً إن كان هنالك تفاهم أم لم يكن، لأن لا السلطة ولا أي من دول الاعتدال العربي ستكلف نفسها عناء الاستفسار عن الأمر، سيدور لغط كثير على الفضائيات، وسيأتي كبير المفاوضين ليشرح لنا خروقات الصهاينة الكثيرة للقرارات الدولية، لكن عندما يأتي وقت الجد ووقت الجلوس مع الأمريكان لا أحد يفتح فمه، الكل راضيين بالنتن والنتن مش راح يرضى فيهم.وما دامت سلطة عباس تطبق وبهمة فائقة الخطوة الأولى من خارطة الطريق، وما دامت أنظمة الاعتدال قد قطعت شوطاً طويلاً على طريق التنازل، وبدون أي مقابل، وما دام الصهاينة غير ملزمين بدفع أي أثمان لخدمات مجانية، والمطلوب فقط ضريبة كلامية، حتى لا تفنى الأغنام، وتدب الحياة من جديد في جسد المسيرة، فجاء أوباما ودغدغ العواطف، وقدم المطلوب لعرابي الاعتدال.وبالفعل دبت الحياة من جديد، وانتعشت آمالهم بعد أن كادت تجف حلوقهم وهم يستصرخون، وتعبيراً عن عرفانهم للفتات أوباما قدموا دم السمان وياسين بعيد زيارة أبي مازن إلى أمريكا، ودم الابتلي وعطية خلال إلقاء أوباما لكلمته. حقاً إنها العمالة العربية الرخيصة، التي لطالما نظّر لها أنصار الرأسمالية من العرب، وفتحت لأجل استغلالها مناطق صناعية في الأردن ومصر، وفي فلسطين كانت العمالة الرخيصة لحماية أمن الصهاينة.وتستمر الدورة، ويستمر الراعي الأمريكي برعاية قطيع الأغنام، مقدماً ما لذ وطاب للذئب الصهيوني، وحريصاً على أن لا يفنى قطيع الأغنام كي لا يأتي اليوم الذي يجوع فيه الذئب.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق